سيد محمد طنطاوي

310

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 156 إلى 158 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّه ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ واللَّه يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 156 ) ولَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّه ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 157 ) ولَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّه تُحْشَرُونَ ( 158 ) فقوله * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإِخْوانِهِمْ ) * إلخ كلام مستأنف قصد به تحذير المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن الاستماع إلى أقوالهم الذميمة . والمراد بالذين كفروا المنافقون كعبد اللَّه بن أبي بن سلول وأشباهه من المنافقين الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا : * ( لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ) * . وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين وللتنفير عن مماثلتهم ومسايرتهم . وقيل المراد بهم جميع الكفار . والمراد بإخوانهم : إخوانهم في الكفر والنفاق والمذهب أو في النسب وقوله * ( إِذا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ ) * أي سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا . وأصل الضرب : إيقاع شيء على شيء ثم استعمل في السير ، لما فيه من ضرب الأرض بالأرجل ، ثم صار حقيقة فيه . وقوله : * ( غُزًّى ) * جمع غاز كراكع وركع ، وصائم وصوم ، ونائم ونوم . والمعنى : يا من آمنتم باللَّه واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة أو بسبب غزوهم في سبيل اللَّه . قالوا على سبيل التفجع : لو كان هؤلاء الذين ماتوا في السفر أو الغزو مقيمين معنا ، أو ملازمين بيوتهم ، ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا فيها لبقوا أحياء ولما ماتوا أو قتلوا . وقولهم هذا يدل على جبنهم وعجزهم ، كما يدل على ضعف عقولهم وعدم إيمانهم بقضاء اللَّه