سيد محمد طنطاوي

301

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

غزوة أحد ، فهي تصور حالهم وهم مصعدون في الوادي بدون تمهل أو تثبت ، وتصور حالهم وقد أخذ منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء ، أو يجيب له طلبا وتصور حال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقد ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى الفارين بقوله : « إلى عباد اللَّه ، إلى عباد اللَّه أنا رسول اللَّه ، من يكر فله الجنة » . وقوله - تعالى - * ( فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ولا ما أَصابَكُمْ ) * . بيان للنتيجة التي ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله * ( صَرَفَكُمْ ) * أو على قوله * ( تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ ) * ولا يضر كونهما مضارعين في اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين في المعنى . وأصل الإثابة إعطاء الثواب ، وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ الثواب لا يستعمل في الأعم الأغلب إلا في الخير ، والمراد به هنا العقوبة التي نزلت بهم . وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما في قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا في حقيقته ، لأن لفظ الثواب في أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعلي من جزاء فعله ، سواء أكان خيرا أو شرا . قال القرطبي : قوله - تعالى - * ( فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ) * الغم في اللغة التغطية . يقال : غممت الشيء أي غطيته . ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين . قال مجاهد وقتادة وغيرهما ، والغم الأول القتل والجراح والغم الثاني الإرجاف بمقتل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقيل الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثاني : استعلاء المشركين عليهم . وعند ذلك قال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « اللهم لا يعان علينا » . والباء في * ( بِغَمٍّ ) * على هذا بمعنى على . وقيل هي على بابها والمعنى أنهم غموا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم » « 1 » . ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أي جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره وحرمكم الغنيمة وأصابتكم الجراح الكثيرة وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل . . . وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم فلم تخلصوا اللَّه الجهاد فأصابكم ما أصابكم .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي - بتصرف وتلخيص - ج 4 ص 240 .