سيد محمد طنطاوي
302
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله * ( لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ولا ما أَصابَكُمْ ) * تعليل لقوله * ( ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ) * أي : ولقد عفا اللَّه - تعالى - عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر ، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام ، فإن عفو اللَّه - تعالى - يذهب كل حزن ويمسح كل ألم . ويرى صاحب الكشاف أن معنى « لكي لا تحزنوا » لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ، ولا على مصيب من المضار . ثم قال : ويجوز أن يكون الضمير في * ( فَأَثابَكُمْ ) * للرسول . أي : فآساكم في الاغتمام - أي فصار أسوتكم - لأنه كما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم . فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره ، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر اللَّه ولا على ما أصابكم من غلبة العدو » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله * ( واللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * أي : واللَّه - تعالى - عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا ، وخبير بما انطوت عليه نفوسكم فهو - سبحانه - لا تخفى عليه خافية مهما صغرت ، فاتقوه وراقبوه واتبعوا ما كلفكم به لتنالوا الفوز والسعادة . ثم ذكرهم - سبحانه - ببعض مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم حيث أنزل على طائفة منهم النعاس الذي أدخل الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال - تعالى - * ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ) * والجملة الكريمة معطوفة على قوله * ( فَأَثابَكُمْ ) * . والأمنة - بفتحتين - مصدر كالأمن . يقال : أمن أمنا وأمانا وأمنة . والنعاس : الفتور في أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن الإنسان بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه فلذلك كان أمنة لهم : لأنه لو كان نوما ثقيلا لهاجمهم المشركون . أي : ثم أنزل عليكم - أيها المؤمنون - بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم ، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ولا قلق ، وكان هذا الأمان والاطمئنان لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها اللَّه ، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى . قال ابن كثير : يقول - تعالى - ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مشتملون السلاح في حال همهم وغمهم والنعاس في مثل تلك الحال .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 428 .