سيد محمد طنطاوي

300

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن اللَّه - تعالى - قد حقق وعده معهم في أول المعركة بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا فلما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع اللَّه عنهم عونه وصرفهم عن الغاية التي كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك فقد عفا اللَّه عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب الفضل الدائم على المؤمنين . ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم وجاءهم أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم ، فقال - تعالى - * ( إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ) * . وقوله : * ( تُصْعِدُونَ ) * من الإصعاد وهو الذهاب في صعيد الأرض والإبعاد فيه . يقال : أصعد في الأرض إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه ، فهو الصعد . قال القرطبي : الإصعاد : السير في مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب . والصعود : الارتفاع على الجبال والدرج . وقوله * ( إِذْ تُصْعِدُونَ ) * متعلق بقوله * ( صَرَفَكُمْ ) * أو بقوله * ( لِيَبْتَلِيَكُمْ ) * أو بمحذوف تقديره اذكروا . أي اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة في بطن الوادي بعد أن اختلت صفوفكم - واضطراب جمعكم . وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يلتفت أحدكم إلى غيره من شدة الهرب ، والحال أن رسولكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم * ( يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ) * أي يناديكم في أخراكم أو في جماعتكم الأخرى أو من خلفكم يقال . جاء فلان في آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم ، كما يقال : جاء في أموالهم وأولادهم . والمراد أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه . قال ابن جرير لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم ، دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها ، فجعل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يدعو الناس : « إلى عباد اللَّه » ! فذكر اللَّه صعودهم إلى الجبل ، ثم ذكر دعاء النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إياهم فقال : * ( إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ) * « 1 » . ففي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عندما اضطربت صفوفهم في

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 123 .