سيد محمد طنطاوي
286
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم مدح - سبحانه - الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال : * ( ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِه مِنْها ) * . أي ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره اللَّه فيها لعباده المتقين من أجر جزيل نؤته منها ما نشاء من عطائنا الذين تشتهيه النفوس ، وتقر له العيون . وقوله * ( وسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) * تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، ووعد من عطاء اللَّه لمن شكره على نعمه ويثبت على شرعه . أي وسنجزى الشاكرين في دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم ، وسنجزيهم في الآخرة بما يشرح صدورهم ، ويدخل البهجة على نفوسهم . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال . وتحذيرهم من الجبن والفرار ، لأن الجبن لا يؤخر الحياة ، كما أن الإقدام لا يؤدى إلى الموت قبل حلول وقته ، فإن أحدا لا يموت قبل أجله ، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك . كما تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد في متع الحياة الدنيا ، وإلى أن يجعلوا مقصدهم الأكبر في تحصيل ما ينفعهم في آخرتهم ، فإن هذا هو المقصد الأسمى ، والمطلب الأعلى : قال - تعالى - مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَه فِي حَرْثِه ، ومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِه مِنْها وما لَه فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ « 1 » . وإن الذين خالفوا وصية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وتركوا أما كنهم التي أمرهم بالثبات فيها جريا وراء الغنائم ، لم يحصلوا منها شيئا ، بل فقدوها وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم ، وكان فعلهم هذا من أسباب هزيمة المسلمين في غزوة أحد . كما تضمنت وعدا من اللَّه - تعالى - بأن يزيد الشاكرين من فضله وإحسانه ، وأن يكافئهم على شكرهم إياه بما هم أهل له من نصر وخير وفير . ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين من إيمان عميق ، وعزم وثيق ، حتى يتأسى بهم كل ذي عقل سليم ، فقال - تعالى - : * ( وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا ) * . وكلمة * ( كَأَيِّنْ ) * مركبة من كاف التشبيه وأي الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير .
--> ( 1 ) سورة الشورى الآية 20 .