سيد محمد طنطاوي

287

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهي مبتدأ : وجملة * ( قاتَلَ مَعَه رِبِّيُّونَ ) * خبرها . والربيون جمع ربي ، وهو العالم بربه الصادق في إيمانه به ، المخلص له في عبادته نسبة إلى الرب كالرباني . قال القرطبي ما ملخصه : والربيون - بكسر الراء - قراءة الجمهور . وقرأها بعضهم بضم الراء وقرأها بعضهم بفتحها والربيون : الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة - بكسر الراء وضمها - وهي الجماعة . . ومنه يقال للخرقة التي تجمع فيها القداح : ربة . وربة والرباب : قبائل تجمعت . وقال ابن عباس : ربيون - بفتح الراء - منسوب إلى الرب . وقال الخليل : الربى - بكسر الراء - الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء ، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية اللَّه - تعالى - « 1 » . وقوله * ( فَما وَهَنُوا ) * من الوهن وهو اضطراب نفسي ، وانزعاج قلبي ، يبتدئ من داخل الإنسان ، فإذا وصل إلى الخارج كان ضعفا وتخاذلا . والمعنى : وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الايمان من أجل إعلاء كلمة اللَّه وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون بما أصيبوا من جراح وآلام ، * ( فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه ) * أي فما عجزوا أو جبنوا بسبب ما أصابهم من جراح ، أو ما أصاب أنبياءهم وإخوانهم من قتل واستشهاد . لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل اللَّه وطاعته وإقامة دينه ، ونصرة رسله . وقوله * ( وما ضَعُفُوا ) * أي : عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذي آمنوا به وقوله * ( ومَا اسْتَكانُوا ) * أي ما خضعوا وذلوا لأعدائهم . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإيمان . نفى عنهم - أولا - الوهن وهو اضطراب نفسي ، وهلع قلبي ، يستولى على الإنسان فيفقده ثباته وعزيمته . ونفى عنهم - ثانيا - الضعف الذي هو ضد القوة ، وهو ينتج عن الوهن . ونفى عنهم - ثالثا - الاستكانة وهي الرضا بالذل وبالخضوع للأعداء ليفعلوا بهم ما يريدون .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 230 .