سيد محمد طنطاوي

285

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّه عَلَيْه « 1 » . كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين اللَّه بعد وفاة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبيان أنه بشر من البشر ، وأنه يموت كما يموت سائر البشر ، وأن رسالته هي الخالدة الباقية ، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز . ومن أعرض عنها فلن يضر اللَّه شيئا . ثم بين - سبحانه - أن الآجال بيد اللَّه وحده . وأنه - سبحانه - قد جعل لكل أجل وقتا محددا لا يعدوه فقال - تعالى - : * ( وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه كِتاباً مُؤَجَّلًا ) * . أي : ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا ، لأي سبب من الأسباب ، إلا بمشيئة اللَّه وأمره وإذنه ، فهو - سبحانه - الذي كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر . المراد بالنفس هنا . جنسها . أي كل نفس لا تموت إلا بإذن اللَّه . والمراد بإذنه - : أمره ومشيئته ، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره ، ولا تموت إلا بإذنه . و * ( كانَ ) * ناقصة وقوله * ( أَنْ تَمُوتَ ) * في محل رفع اسمها وقوله * ( لِنَفْسٍ ) * متعلق بمحذوف وقع خبرا لها . والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأسباب . أي ما كان لها أن تموت في حالة من الأحوال أو لسبب من الأسباب إلا مأذونا لها منه - سبحانه - . والباء في قوله * ( إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه ) * للمصاحبة . وقوله * ( كِتاباً ) * مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التي قبله ، وعامله مضمر والتقدير : كتب اللَّه ذلك كتابا مؤجلا . أي له أجل معلوم لا يتقدم عنه ولا يتأخر ، وهو آت لا ريب فيه . وقوله * ( مُؤَجَّلًا ) * صفة لقوله * ( كِتاباً ) * . ثم ذم - سبحانه - الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة ، فقال : * ( ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِه مِنْها ) * أي من يرد بعمله ثواب الدنيا أي جزاءها وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها ما نشاء أن نؤتيه ، ولا يكون له في الآخرة من نصيب . وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أو بمن تركوا أماكنهم التي وضعهم فيها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا ، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين في غزوة أحد .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد ، باب « من المؤمنين رجال . . » ج 4 ص 23 .