سيد محمد طنطاوي
279
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم . سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا ولقد كان عدم صبر الرماة في غزوة أحد ، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم ، من أهم الأسباب التي أدت إلى هزيمة المسلمين في تلك المعركة . والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد . ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا ، ولذا قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات « . ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة في سبيله فقال * ( ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْه ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوه وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) * . قال ابن جرير ما ملخصه : كان قوم من أصحاب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ممن لم يشهد بدرا ، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر ، فيعطون اللَّه من أنفسهم خيرا ، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر ، فلما كان يوم أحد ، فر بعضهم وصبر بعضهم ، حتى أوفى بما كان عاهد اللَّه عليه قبل ذلك ، فعاتب اللَّه من فر منهم بقوله : * ( ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ) * . . . الآية . وعن الحسن قال : بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانوا يقولون : لئن لقينا مع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم المشركين لنفعلن ولنفعلن ، فابتلوا بذلك - في أحد - ، فلا واللَّه ما كلهم صدق ، فأنزل اللَّه - تعالى - * ( ولَقَدْ كُنْتُمْ ) * . . . . الآية « 1 » . والخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة في غزوة أحد ، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام . والمراد بالموت هنا الشهادة في سبيل اللَّه ، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت . والمعنى : ولقد كنتم - يا معشر المؤمنين - * ( تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ) * ، أي الحرب أو الشهادة في سبيل اللَّه * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْه ) * أي تشاهدوه وتعرفوا أهواله * ( فَقَدْ رَأَيْتُمُوه ) * أي فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهي الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال * ( وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) * أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا . وقوله * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْه ) * متعلق بقوله * ( تَمَنَّوْنَ ) * مبين لسبب إقدامهم على التمني . أي من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه .
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 109 .