سيد محمد طنطاوي

280

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ففي الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم ، ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته . والفاء في قوله * ( فَقَدْ رَأَيْتُمُوه ) * للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام . والتقدير : إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين ، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتكم ؟ . وقوله * ( وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) * جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى رأيتموه . أي رأيتموه معاينين له ، وهذا على حد قولك : رأيته وليس في عيني علة ، أي رأيته رؤية حقيقية لا خفاء ولا التباس . والتعبير بالمضارع * ( تَنْظُرُونَ ) * يفيد التصوير . وإحضار الصورة الواقعة في الماضي كأنها واقعة في الحاضر ، فيستحضرها العقل كما وقعت ، وكما ظهرت في الوجود . والنظر الذي قرره اللَّه - تعالى - بقوله * ( وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) * يتضمن النظر إلى الموقعة كلها ، وكيف كان النصر في أول الأمر للمسلمين ، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا . ثم كيف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها . ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت في معركة ، وليس في ذلك من بأس ، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق ، لأن المؤمن الصادق هو الذي يتمنى الشهادة في سبيل اللَّه ومن أجل نصرة دينه ، ولقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « لوددت أنى أقتل في سبيل اللَّه ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ثم أقتل » . وقال عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - « اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك » . ولكن الذي يكرهه الإسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفي بما تمناه ، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق في سبيل اللَّه . ولذا قال الآلوسي : « والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة ، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا ، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم » « 1 » . فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا في عواقبه ، ويعدوا أنفسهم له ، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه ، ولقد رسم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الطريق القويم الذي يحب أن يسلكه

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 72 .