سيد محمد طنطاوي
278
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
دخول الجنة لا يحصل لهم إذا لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم في سبيل اللَّه ، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطئوا . والمعنى : بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة ، وتنالوا كرامة ربكم ، وشرف المنازل عنده مع أنكم لم تجاهدوا في سبيل اللَّه جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه ومطالبه ، إن كنتم تحسبون هذا الحسبان فهو ظن باطل يحب عليكم الإقلاع عنه . ويحتمل أن تكون * ( أَمْ ) * هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة « ويكون المعنى عليه : أعلمتم أن اللَّه - تعالى - سننا في النصر والهزيمة ، وأن الأيام دول . وأن الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر ، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد ؟ . وقوله * ( ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) * معناه : ولم تجاهدوا جهاد الصابرين فيعلم اللَّه ذلك منكم . قال صاحب الكشاف : وقوله * ( ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) * بمعنى ولما تجاهدوا . لأن العلم متعلق بالمعلوم ، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقه ، لأنه منتف بانتفائه . يقول الرجل : ما علم اللَّه من فلان خيرا ، يريد ما فيه خير حتى يعلمه ، و « لما » بمعنى ولم إلا أن فيها ضربا من التوقع ، فدل على نفى الجهاد فيما مضى ، وعلى توقعه فيما يستقبل . وتقول : وعدني أن يفعل كذا ولما يفعل ، تريد : وأنا أتوقع فعله » « 1 » . وجملة * ( ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) * حالية من ضمير * ( تَدْخُلُوا ) * مؤكدة للإنكار ، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة ، ولذا قال بعضهم : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجرى على اليبس وقال بعض الحكماء « طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور . وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة » . وقوله * ( ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) * أي ويتميز الصابرون في جهادهم عن غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين في جهادهم ، الثابتين في البأساء والضراء من غيرهم ، وأن تميز الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال . فالجهاد في سبيل اللَّه يستلزم الصبر ، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه ، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال : الشجاعة صبر ساعة .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 420 .