سيد محمد طنطاوي
26
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجميل ودميم ، وغير ذلك من مظاهر التفاوت والاختلاف في الصور والأشكال والعقول والميول . وقوله - تعالى - * ( لا إِله إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * تأكيد لما قبله ، من انفراده بالألوهية ، وحقيقة المعبودية ، بعد أن أقام الأدلة الساطعة على ذلك من كونه حيا قيوما ، منزلا للكتب الهادية للناس إلى الحق عالما بكل شيء ، مصورا لخلقه وهم في أرحام أمهاتهم كيف يشاء . . وكل ذي عقل سليم يتدبر هذه الآيات الكريمة ، يقبل على الإيمان بالحق بقوة وإخلاص ، ويسارع إلى العمل الصالح بقلب منيب ونية صادقة . هذا ، وقد ذكر كثير من المفسرين أن سورة آل عمران من مطلعها إلى بضع وثمانين آية منها قد نزل في وفد نصارى نجران الذين قدموا على الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في السنة التاسعة من الهجرة ، ليناقشوه في شأن عيسى - عليه السّلام - وقد رد عليهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بما يبطل أقوالهم التي تخالف الحق ، وأرشدهم إلى الطريق المستقيم وهو طريق الإسلام الذي ارتضاه اللَّه لعباده دينا . وسنذكر قصة هذا الوفد عند تفسيرنا لآية المباهلة وهي قوله - تعالى - في هذه السورة فَمَنْ حَاجَّكَ فِيه مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّه عَلَى الْكاذِبِينَ الآية 61 . وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة الواضحة على أنه هو المستحق للعبادة ، عقب ذلك ببيان أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وبيان موقف الناس منهما فقال - تعالى - : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 7 ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْه آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَه مِنْه ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِه وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللَّه والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبابِ ( 7 ) قوله - تعالى - : * ( مُحْكَماتٌ ) * من الإحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل في اللغة لمعان متعددة ، ترجع إلى شيء واحد هو المنع يقال : أحكم الأمر أي أتقنه ومنعه عن الفساد