سيد محمد طنطاوي
27
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويقال : أحكمه عن الشيء أي أرجعه عنه ومنعه منه . ويقال حكم نفسه وحكم الناس ، أي منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق . ويقال أحكم الفرس أي جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب . وقوله : * ( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) * أي أصله الذي فيه عماد الدين وفرائضه وحدوده وما يحتاج إليه الناس في دنياهم وآخرتهم . وأم كل شيء : أصله وعماده . قال ابن جرير : والعرب تسمى الأمر الجامع المعظم الشيء أما له . فيسمون راية القوم التي تجمعهم في العساكر أمهم . ويسمون المدبر لمعظم أمر البلدة والقرية أمها » « 1 » . وقوله * ( مُتَشابِهاتٌ ) * من التشابه بمعنى أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر ومماثلا ومشاكلا له مشاكلة تؤدى إلى الالتباس غالبا . قال : أمور مشتبهة ومشبهة - كمعظمة - : أي مشكلة . ويقال : شبه عليه الأمر تشبيها : لبس عليه . ولقد جاء في القرآن ما يدل على أنه كله محكم كما في قوله - تعالى - كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُه وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه كما في قوله - تعالى - اللَّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً . وجاء فيه ما يدل على أن بعضه متشابه كما في الآية التي نحن بصدد تفسيرها . ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة ، لأن معنى إحكامه كله : أنه متقن متين لا يتطرق إليه خلل أو اضطراب . ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في بلاغته وفصاحته وإعجازه وهدايته ، ومعنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فسنبينه بعد سرد بعض الأقوال التي قالها العلماء في تحديد معنى كل منهما . فمنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذي لا يحتمل النسخ ، والمتشابه هو الخفي الذي لا يدرك معناه وهو ما استأثر اللَّه بعلمه كقيام الساعة والروح . ومنهم من يرى أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان . والمتشابه هو الذي لا يستقل بنفسه ، بل يحتاج إلى بيان ، فتارة يبين بكذا ، وتارة يبين بكذا ، لحصول الاختلاف في تأويله . ومنهم من يرى أن المحكم هو الذي لا يحتمل في تأويله إلا وجها واحدا والمتشابه هو الذي يحتمل أوجها . ومنهم من يرى أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر . أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة ، وهو المجمل والمؤول والمشكل .
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 170 طبعة مصطفى الحلبي .