سيد محمد طنطاوي
266
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاستفهام في قوله : * ( ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه ) * للإنكار والنفي . أي : لا أحد يقبل توبة التائبين ، ويغفر ذنوب المذنبين ، ويمسح خطايا المخطئين ، إلا اللَّه العلى الكبير « الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، ويتوب اللَّه على من تاب » - كما جاء في الحديث الشريف - ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الجملة ما ملخصه : في هذه الجملة وصف لذاته - تعالى - بسعة الرحمة ، وقرب المغفرة ، وأن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه . وفيها تطييب لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة ، وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط ، وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل ، وكرمه أعظم . والمعنى أنه وحده عنده مصححات المغفرة ، وهذه جملة معترضة بين المعطوف ، والمعطوف عليه » « 1 » . وقوله * ( ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * بيان لشروط الاستغفار المقبول عند اللَّه - تعالى - . أي أن من صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ، سارعوا بالتوبة إلى اللَّه - تعالى - ، ولم يصروا على الفعل القبيح الذي فعلوه ، وهم عالمون بقبحه ، بل يندمون على ما فعلوا ، ويستغفرون اللَّه - تعالى - مما فعلوا ، ويتوبون إليه توبة صادقة . وقوله * ( ولَمْ يُصِرُّوا ) * معطوف على قوله * ( فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) * . وقوله * ( وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * جملة حالية من فاعل « يصروا » أي ولم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه . ومفعول يعلمون محذوف للعلم به أي يعلمون سوء فعلهم ، أو يعلمون أن اللَّه يتوب على من تاب ، أو يعلمون عظم غضب اللَّه على المذنبين الذين يداومون على فعل القبائح دون أن يتوبوا إليه . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام المذنبين ، وحرضتهم على ولوجه بعزيمة صادقة ، وقلب سليم ، ولم تكتف بذلك بل بشرتهم بأنهم متى أقلعوا عن ذنوبهم ، وندموا على ما فعلوا ، وعاهدوا اللَّه على عدم العودة على ما ارتكبوه من خطايا ، وردوا المظالم إلى أهلها ، فإن اللَّه - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم ، ويحشرهم في زمرة عباده المتقين . إنه - سبحانه - لا يغلق في وجه عبده الضعيف المخطئ باب التوبة ، ولا يلقيه حائرا منبوذا في ظلام المتاهات ، ولا يدعه مطرودا خائفا من المصير ، وإنما يطمعه في مغفرته - سبحانه -
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 416 .