سيد محمد طنطاوي
267
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويرشده إلى أسبابها ، ويغريه بمباشرة هذه الأسباب حتى ينجو من العقاب . ولقد ساق - سبحانه - في عشرات الآيات ما يبشر التائبين الصادقين في توبتهم بمغفرته ورحمته ورضوانه ، ومن ذلك قوله - تعالى - : والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ولا يَزْنُونَ ، ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَه الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيه مُهاناً . إِلَّا مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّه سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً . ومَنْ تابَ وعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّه يَتُوبُ إِلَى اللَّه مَتاباً « 1 » . وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - قال : رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة » « 2 » . وقال القرطبي : وأخرج الشيخان عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى اللَّه تاب اللَّه عليه » . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم » . ثم قال القرطبي : « والذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره ، وغير الكفر إما حق اللَّه - تعالى - وإما حق لغيره فحق اللَّه - تعالى - يكفى في التوبة منه الترك ، غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك ، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة والصوم . ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها ، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم ، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو اللَّه مأمول ، وفضله مبذول ، فكم ضمن من التبعات ، وبدل من السيئات بالحسنات » « 3 » . ثم بين - سبحانه - عاقبة من هذه صفاتهم فقال : * ( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ، وجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) * . أي : أولئك الموصوفون بتلك الصفات السابقة من الإنفاق في السراء والضراء ، وكظم الغيظ ، والعفو عن الناس . . إلخ * ( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) * تستر ذنوبهم ، وتمسح خطاياهم .
--> ( 1 ) سورة الفرقان الآيات من 68 - 71 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 407 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 2 ص 231 .