سيد محمد طنطاوي

265

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الشديد ، وحسابه العسير للظالمين يوم القيامة « فاستغفروا لذنوبهم » أي طلبوا منه - سبحانه - المغفرة لذنوبهم التي ارتكبوها ، وتابوا إليه توبة صادقة نصوحا . وعلى هذا يكون قوله - تعالى - * ( والَّذِينَ إِذا فَعَلُوا ) * معطوفا على الصفة الأولى من صفات المتقين ، ويكون قوله - تعالى - * ( واللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * جملة معترضة بين الصفات المتعاطفة . قال الفخر الرازي : واعلم أن وجه النظم من وجهين : الأول : أنه - تعالى - لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان : أحدهما : الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات ، وهم الذين وصفهم بالإنفاق في السراء والضراء ، وكظم الغيظ والعفو عن الناس . وثانيهما : الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله - تعالى - * ( والَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) * وبين - سبحانه - أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في كونها متقية . . والوجه الثاني : أنه في الآية الأولى ندب إلى الإحسان إلى الغير ، وندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس ، فإن المذنب إذا تاب كانت توبته إحسانا منه إلى نفسه » « 1 » . وقوله * ( أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) * معطوف على قوله * ( فَعَلُوا فاحِشَةً ) * من باب عطف العام على الخاص ، وهذا على تفسير الفاحشة بأنها كبائر الذنوب ، أما ظلم النفس فيتناول كل ذنب سواء أكان صغيرا أم كبيرا . وبعضهم يرى أن الفاحشة وظلم النفس وجهان للمعصية لا ينفصلان عنها ، بمعنى أن كل معصية لا تخلو منهما فهي فاحشة وظلم للنفس ، وعلى هذا تكون « أو » بمعنى الواو . ويكون المعنى : ومن يرتكب فاحشة ويظلم نفسه ، ويتذكر اللَّه عند ارتكابها فيعود إليه تائبا منيبا يكون من المتقين . وفي التعبير بقوله : * ( إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّه ) * بصيغة الشرط الجواب ، إشعار بوجوب اقتران الجواب بالشرط . أي أن الشخص الذي يدخل في جملة المتقين هو الذي يعود إلى ربه تائبا فور وقوع المعصية ، بحيث لا يسوف ولا يؤخر التوبة حتى إذا حضره الموت . قال : إني تبت الآن . وقوله : * ( ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه ) * جملة معترضة بين قوله * ( فَاسْتَغْفَرُوا ) * وبين قوله * ( ولَمْ يُصِرُّوا ) * .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 9 .