سيد محمد طنطاوي
264
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يا رسول اللَّه : قل لي قولا ينفعني وأقلل على لعل أعقله : فقال له : « لا تغضب » فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا كل ذلك يقول : « لا تغضب » . وعن أبي بن كعب أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عن من ظلمه ويعط من حرمه ، ويصل من قطعه » « 1 » . وكظم الغيظ والعفو عن الناس هاتان الصفتان إنما تكونان محمودتين عندما تكون الإساءة متعلقة بذات الإنسان ، أما إذا كانت الإساءة متعلقة بالدين بأن انتهك إنسان حرمة من حرمات اللَّه ففي هذه الحالة يجب الغضب من أجل حرمات اللَّه ، ولا يصح العفو عمن انتهك هذه الحرمة . فلقد وصفت السيدة عائشة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأنه كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت حرمات اللَّه لم يقم لغضبه شيء . وقوله : * ( واللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * تذييل مقرر لمضمون ما قبله . والإحسان معناه الإتقان والإجادة . وأل في المحسنين إما للجنس أي واللَّه - تعالى - يحب كل محسن في قوله وعمله ، ويكون هؤلاء الذين ذكر اللَّه صفاتهم داخلين دخولا أوليا . وإما أن تكون للعهد فيكون المعنى : واللَّه - تعالى - يحب هؤلاء المحسنين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم في كل حال من أحوالهم ، ويكظمون غيظهم ، ويعفون عمن ظلمهم . أما الصفة الرابعة من صفات هؤلاء المتقين فقد ذكرها - سبحانه - في قوله : * ( والَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ، ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه ، ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * . والفاحشة من الفحش وهو مجاوزة الحد في السوء . والمراد بها الفعلة البالغة في القبح كالزنا والسرقة وما يشبههما من الكبائر . والمعنى : سارعوا أيها المؤمنون إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدها خالقكم - عز وجل - للمتقين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم في السراء والضراء ، ويكظمون غيظهم ، ويعفون عن الناس ، وأنهم إذا فعلوا فعلة فاحشة متناهية في القبح ، أو ظلموا أنفسهم ، بارتكاب أي نوع من أنواع الذنوب « ذكروا اللَّه » أي تذكروا حقه العظيم ، وعذابه
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 405 .