سيد محمد طنطاوي

246

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

المؤمنين أي تنزلهم في منازل للقتال ، وهذا أظهر من الآخر ، لأن المذكور في القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات في شعب أحد ، وأصبح ينزل أصحابه في منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب » « 1 » . فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة ، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم ، وبرسم الخطة الحكيمة التي تكفل لهم النصر ، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك ، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها في زروع المسلمين ، وقال للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب » ؟ ؟ إلا أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه . وجملة * ( تُبَوِّئُ ) * حال من فاعل « غدوت » . والفعل * ( تُبَوِّئُ ) * يحتاج لمفعولين : أولهما : قوله : * ( الْمُؤْمِنِينَ ) * . وثانيهما : قوله : * ( مَقاعِدَ ) * وقوله : * ( لِلْقِتالِ ) * متعلق بقوله : * ( تُبَوِّئُ ) * . والمراد بقوله : * ( مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) * أي مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمه إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد . للإشارة إلى وجوب الثبات فيها كل يثبت القاعد في مكانه ، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( واللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * لبيان أنه مطلع على كل شيء ، وعلى ما كان يجرى بين النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات . فهو - سبحانه - * ( سَمِيعٌ ) * لما نطقت به ألسنتهم * ( عَلِيمٌ ) * بما تخفيه صدورهم ، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب ، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة في قلوب المؤمنين ، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم في غزوة أحد . حيث خالفوا وصية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل ، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد اللَّه بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى - : * ( إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا واللَّه وَلِيُّهُما وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) * .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 310 .