سيد محمد طنطاوي
247
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الهم : هو حديث النفس واتجاهها إلى شيء معين دون أن تأخذ في تنفيذه فإذا أخذت في تنفيذه صار إرادة وعزما وتصميما . وتفشلا : من الفشل والجبن والخور والضعف . يقال : فشل يفشل فشلا فهو فشل أي جبان ضعيف القلب . أي : واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال في وقت الشديدة والكريهة . وقوله : * ( واللَّه وَلِيُّهُما ) * أي ناصرهما ويتولى أمرهما . وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، وكانتا جناحي الجيش في يوم أحد . روى الشيخان عن جابر - رضى اللَّه عنه - قال : فينا نزلت * ( إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا واللَّه وَلِيُّهُما ) * قال : نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة ، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - * ( واللَّه وَلِيُّهُما ) * « 1 » . أي : لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء اللَّه - تعالى - عليهم ، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية . وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل ، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق ، وطاعتهم لرسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . ولذا قال صاحب الكشاف : والطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد اللَّه بن أبي عندما انخذل بثلث الناس وقال : يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا ! فعصمهم اللَّه فمضوا مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وعن ابن عباس قال : أضمروا أن يرجعوا ، فعزم اللَّه لهم على الرشد فثبتوا . والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس . كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ، ويوطنها على احتمال المكروه . لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية » « 2 » . وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال : * ( وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) * .
--> ( 1 ) البخاري باب « إذ همت طائفتان » . من كتاب التفسير ج 6 وأخرجه مسلم في كتاب « فضائل الصحابة » ج 7 ص 1 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 409 .