سيد محمد طنطاوي
235
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يأمنوا من يخالفهم في عقيدتهم على أسرارهم ، وألا يتخذوا أعداء اللَّه وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة ، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شؤون وأمور خاصة بالمؤمنين وقوله : * ( مِنْ دُونِكُمْ ) * يجوز أن يكون صفة لبطانة فيكون متعلقا بمحذوف ، أي لا تتخذوا بطانة كائنة من غيركم . ويجوز أن يكون متعلقا بقوله : * ( لا تَتَّخِذُوا ) * أي لا تتخذوا من غير أهل ملتكم بطانة تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم . ثم ذكر - سبحانه - جملة من الأسباب التي تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة هؤلاء الذين يخالفونهم في عقيدتهم فقال في بيان أول هذه الأسباب : * ( لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ) * وأصل « الألو » : التقصير . يقال : ألا في الأمر - كغزا - يألو ألوا وألوا ، إذا قصر فيه ، ومنه قول امرئ القيس : وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آل أراد ولا مقصر ، وهو - أي الفعل « يألو » من الأفعال اللازمة التي تتعدى إلى المفعول بالحرف ، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كما في قولهم : لا آلوك نصحا ، على تضمين الفعل معنى المنع . أي لا أمنعك ذلك . والخبال : الشر والفساد . وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابا . يقال خبله وخبله فهو خابل . والجمع الخبل ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه اضطرابا وفسادا في قواه العقلية والفكرية . والمعنى : أنهاكم - أيها المؤمنون - عن أن تتخذوا أولياء وأصفياء لكم من غير إخوانكم المؤمنين ، لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين ، لا يقصرون في جهد يبذلونه في إفساد أمركم ، وفيما يورثكم شرا وضرا . أو لا يمنعونكم خبالا ، أي أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون شيئا منه عندهم ، بل يبذلون قصارى جهدهم في إلحاق الضرر بكم في دينكم ودنياكم . وقوله : * ( لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ) * جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى اجتنابهم . أو صفة لقوله : * ( بِطانَةً ) * . وقوله : * ( خَبالًا ) * منصوب على أنه المفعول الثاني ليألونكم لتضمينه معنى يمنعونكم . ويصح أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم عن جهد فيما يورثكم شرا وفسادا . أما السبب الثاني الذي يحمل المؤمنين على اجتناب هؤلاء الضالين فقد بينه - سبحانه - بقوله : * ( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ) * .