سيد محمد طنطاوي
236
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( وَدُّوا ) * من الود وهو المحبة . يقال : وددت كذا أي أحببته . وقوله : * ( عَنِتُّمْ ) * من العنت وهو شدة الضرر والمشقة . ومنه قوله - تعالى - : ولَوْ شاءَ اللَّه لأَعْنَتَكُمْ أي لأوقعكم فيما يشق عليكم . و * ( ما ) * في قوله : * ( ما عَنِتُّمْ ) * هي ما المصدرية . أي : أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم ، بجانب أنهم لا يألون جهدا في إفساد أمركم ، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم ، وتفريق جمعكم ، وذهاب قوتكم . فالجملة الأولى وهي قوله : * ( لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ) * بمنزلة المظهر والنتيجة ، وهذه . أي قوله تعالى : * ( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ) * بمنزلة الباعث والدافع . فهم لا يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان ، وإنما يودون لهم الشقاء والشرور والخسران . وليس بعاقل ذلك الذي يطلع من يريد له الشرور على أسراره ودخائله . وأما السبب الثالث الذي يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه اللَّه - تعالى - بقوله : * ( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) * . والبغضاء مصدر كالسراء والضراء ، وهي البغض الشديد المتمكن في النفوس ، والثابت في القلوب . أي : قد ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم ، وطفح البغض الباطن في قلوبهم لكم حتى خرج من أفواههم ، ولاح على صفحات وجوههم ، وقد قيل : كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان . ومع هذا فإن ما تخفيه نفوسهم المريضة لكم من أحقاد وإحن ، أكبر مما نطقت به ألسنتهم من بغضاء ، إذ أن ما نطقوا به إنما هو بمثابة الرشح الذي ظهر من مسام أجسادهم وقلوبهم ، أما ما يبيتونه لكم من شرور وآثام فهو أكبر من ذلك بكثير . وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة . للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم الباطلة ، فهم أشد جرما من المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين حيث كشف لهم عن أحوال أعدائهم ، وعن سوء نواياهم وعن الأسباب التي تدعو إلى الحذر منهم فقال - تعالى - : * ( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) * . أي قد بينا لكم العلامات الواضحات ، والآيات البينات التي تعرفون بها أعداءكم ، وتميزون عن طريقها بين الصديق وبين العدو ، إن كنتم من أهل العقل والفهم . والمقصود من الجملة الكريمة حضهم على استعمال عقولهم بتأمل وتدبر في هذه الآيات التي