سيد محمد طنطاوي

218

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

- مادمتم مستمسكين بدينكم - ، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال ، أمدكم اللَّه بنصره ، وألقى في قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم ، ثم لا ينصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم . والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار ، فيه إشارة إلى جبنهم وأنهم يفرون فرارا شديدا بذعر وهلع . وهكذا كان الشأن في قتال المسلمين الأولين لأعداء اللَّه وأعدائهم ، فلقد قاتل المؤمنون اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وأهل خيبر فانتصر المسلمون عليهم انتصارا باهرا . وقاتلوا جموع الروم في بلاد الشام وفي مصر ، فكان النصر المؤزر حليفا للمسلمين مع قلتهم وكثرة أعدائهم . وقوله * ( ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) * احتراس . أي : يولونكم الأدبار تولية المنهزم ، لا تولية المتحرف لقتال أو المتحيز إلى فئة أو المتأمل في الأمر . والتعبير بثم لإفادة التراخي في المرتبة : لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار . وهذه الجملة خبرية وهي معطوفة على جملتي الشرط وجزائه معا ، للإشعار بأن هذا ديدنهم ، وأنهم لن ينتصروا على المسلمين لا في قتال ولا في غيره ، ما دام المسلمون مستقيمين على الطريقة التي رسمها اللَّه - تعالى - لهم . وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : هلا جزم المعطوف في قوله * ( ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) * قلت : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون . فإن قلت : فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى ؟ قلت لو جزم لكان النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا كأنه قال . ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر ، وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر فإن قلت : فما الذي عطف عليه هذا الخبر ؟ قلت : جملة الشرط والجزاء كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون . فإن قلت فما معنى التراخي في ثم ؟ قلت : التراخي في المرتبة ، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار فإن قلت : ما موقع الجملتين ، أعنى * ( مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ) * و * ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ ) * قلت هما كلامان واردان