سيد محمد طنطاوي

219

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ولذلك جاءا من غير عطف » « 1 » . فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين ببشارات ثلاث : أولها : أنهم في مأمن من الضرر البليغ الذي يؤثر في كيانهم وعزتهم وكرامتهم من جهة أهل الكتاب . ثانيها : أن أهل الكتاب لو قاتلوهم ، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم . ثالثها : أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك . وقد تحققت هذه البشارات ، وكانت كما أخبر اللَّه - تعالى - فإن المسلمين الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دينهم نصرهم اللَّه - تعالى - على أهل الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصرا مؤزرا - كما سبق أن أشرنا - فإن قال قائل : ولكن الذي نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد في جبنهم وفي حرصهم على الحياة قد انتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة في بقعة من أعز بقاع البلاد الإسلامية وهي فلسطين فهل يخلف وعد اللَّه ؟ والجواب على ذلك . أن وعد اللَّه - تعالى - لا يخلف ولن يتخلف وقد حققه - سبحانه - لأسلافنا الصالحين الذي آمنوا به حق الإيمان . ولكن المسلمين في هذا العصر هم الذين تغيرت أحوالهم ، فقد فرطوا في دينهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وتفرقوا شيعا وأحزابا وتنكبوا الطريق القويم ولم يباشروا الأسباب التي شرعها اللَّه - تعالى - لبلوغ النصر ، ولم يحسنوا الشعور بالمسئولية . فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير إلى الشر ، ومن القوة إلى الضعف . وسلط اللَّه عليهم من لا يخافهم ولا يرحمهم ، لأنه - سبحانه - لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . وإذا ما عاد المسلمون إلى دينهم فطبقوا أوامره ونواهيه على أنفسهم تطبيقا كاملا ، فإن اللَّه - تعالى - سيعيد لهم كرامتهم وعزتهم وقوتهم ولَيَنْصُرَنَّ اللَّه مَنْ يَنْصُرُه إِنَّ اللَّه لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 401 . ( 2 ) سورة الحج الآية 40 .