سيد محمد طنطاوي

197

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : كيف يتصور منكم الكفر ، أو يسوغ لكم أن تسيروا في أسبابه وآيات اللَّه تقرا على مسامعكم غضة طرية صباح مساء ، ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بين ظهرانيكم ، يردكم إلى الصواب إن أخطأتم ، ويزيح شبهكم إن التبس عليكم أمر . وفي هذا ما يومئ إلى إلقاء اليأس في قلوب هذا الفريق من اليهود من أن يصلوا إلى ما يبغونه بين المؤمنين في وقت يذكر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم المؤمنين بما ينفعهم ويحذرهم مما يؤذيهم ويضرهم . وفي توجيه الإنكار والاستبعاد إلى كيفية الكفر مبالغة ، لأن كل موجود لا بد أن يكون وجوده على حال من الأحوال ، فإذا أنكر ونفى في جميع الأحوال انتفى وجوده بالكلية بالطريق البرهاني . وقوله : * ( وأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّه وفِيكُمْ رَسُولُه ) * جملتان حاليتان من فاعل * ( تَكْفُرُونَ ) * وهو ضمير الجماعة . وهاتان الجملتان هما محط الإنكار والاستبعاد . أي أن كلا تلاوة آيات اللَّه وإقامة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيهم ، وازع لهم عن الكفر ، ودافع لهم إلى التمسك بعرى الإيمان . ففي الآية الكريمة دلالة على عظمة قدر الصحابة ، وأن لهم وازعين عن مواقعة الضلال : سماع القرآن ، ومشاهدة أنوار الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فإن وجوده عصمة من ضلالهم . قال قتادة : أما الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقد مضى إلى رحمة اللَّه ، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر . ثم أرشد اللَّه - تعالى - المؤمنين إلى الوسيلة التي متى تمسكوا بها عصموا أنفسهم من مكر اليهود فقال - تعالى - * ( ومَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّه فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * . أي ومن يلتجئ إلى اللَّه في كل أحواله ويتوكل عليه حق التوكل ، ويتمسك بدينه ، فقد هدى إلى الطريق الذي لا عوج فيه ولا انحراف . وفي هذا إشارة إلى أن التمسك بدين اللَّه وبكتابه كفيل بأن يبعد المسلمين الذين لم يشاهدوا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما يبيته لهم أعداؤهم من مكر وخداع . قال ابن جرير ما ملخصه : وأصل العصم : المنع ، فكل مانع شيئا فهو عاصمه ، والممتنع به معتصم به ولذلك قيل للحبل : عصام ، وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته عصام ، وأفصح اللغتين : إدخال الباء كما قال - عز وجل - * ( واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه جَمِيعاً ) * وقد جاء اعتصمته « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 26 .