سيد محمد طنطاوي
198
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم أمر اللَّه - تعالى - المؤمنين بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات ، فقال - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * . وقوله * ( حَقَّ تُقاتِه ) * التقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل : اتقوا اللَّه التقاة الحق . أي : الثابتة ، كقولك ضربت زيدا أشد الضرب تريد الضرب الشديد وقيل التقاة اسم مصدر من اتقى كالتؤدة من اتأد . والمعنى : بالغو أيها المؤمنون في التمسك بتقوى اللَّه ومراقبته وخشيته حتى لا تتركوا منها شيئا ولا تكونن على ملة سوى ملة الإسلام إذا أدرككم الموت ، وإنما عليكم أن تستمروا على دينكم القويم حتى يأتيكم الأجل الذي لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون . وقد ساق ابن كثير بعض الآثار التي وردت عن بعض السلف في تفسير هذه الآية الكريمة فمن ذلك ما روى عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال في معنى الآية * ( اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِه ) * : أن يطاع فلا يعصى . وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر « . وروى عن أنس أنه قال : لا يتقى اللَّه العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه . وقوله * ( ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * هو نهى في الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة . والمراد دوامهم على الإسلام وذلك أن الموت لا بد منه فكأنه قيل : دوموا على الإسلام إلى أن يدرككم الموت فتموتوا على هذه الملة السمحاء وهي ملة الإسلام ، لكي تفوزوا برضا اللَّه وحسن ثوابه . والجملة الكريمة في محل نصب على الحال من ضمير الجماعة في * ( اتَّقُوا ) * . والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال : أي لا تموتن على حالة من الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة التي هي حالة المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه وآدابه . وقال صاحب الكشاف : قوله * ( ولا تَمُوتُنَّ ) * معناه ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت ، وذلك كأن تقول لمن تستعين به على لقاء العدو : لا تأتني إلا وأنت على حصان ، فأنت لا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان » « 1 » . وبعد أن أمرهم - سبحانه - بمداومة خشيته ، والاستمرار على دينه أتبع ذلك بأمرهم بالاعتصام بدينه وبكتابه فقال - تعالى - * ( واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا ) * .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 394 .