سيد محمد طنطاوي
196
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
- تعالى - : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ) * . والمعنى : إنكم أيها المؤمنون إن استمعتم إلى ما يلقيه بعض أهل الكتاب بينكم من دسائس ولنتم لهم ، لا يكتفون بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم كما في الجاهلية ، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولتهم إعادتكم إلى وثنيتكم القديمة وكفركم باللَّه بعد إيمانكم . وقد خاطب اللَّه المؤمنين بذاته في هذه الآية بعد أن أمر رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأن يخاطب أهل الكتاب في الآيتين السابقتين ، إظهارا لجلالة قدرهم ، وإشعارا بأنهم الأحقاء بالمخاطبة من اللَّه - تعالى - . وناداهم بصفة الإيمان لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من فطنة ويقظة فالمؤمن ليس خبا ولكن الخب لا يخدعه . وفي التعبير « بأن » في قوله : * ( إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً ) * إشارة إلى أن طاعتهم لليهود ليست متوقعة ، لأن إيمانهم يمنعهم من ذلك . ووصف - سبحانه - الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب ، إنصافا لمن لم يفعل ذلك منهم . ونعتهم بأنهم * ( أُوتُوا الْكِتابَ ) * للإشعار بأن تضليلهم متعمد وبأن تآمرهم على المؤمنين مقصود ، فهم أهل كتاب وعلم ، ولكنهم استعملوا علمهم في الشرور والآثام . وقوله : * ( يَرُدُّوكُمْ ) * أصل الرد الصرف والإرجاع ، إلا أنه هنا مستعار لتغير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقول الشاعر : فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا أي : يصيروكم بعد إيمانكم كافرين . والكاف مفعوله الأول وكافرين مفعوله الثاني . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في آية أخرى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ، حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ « 1 » . ثم بين القرآن بعد ذلك أنه ما يسوغ للمؤمنين أن يطيعوا هذا الفريق من الذين أوتوا الكتاب ، أو أن يكفروا بعد إيمانهم ، أو أن يتفرقوا بعد وحدتهم فقال - تعالى - : * ( وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّه وفِيكُمْ رَسُولُه ) * ، الاستفهام في قوله : * ( وكَيْفَ تَكْفُرُونَ ) * للإنكار ، ولاستبعاد كفرهم في حال اجتمع لهم فيها كل الأسباب الداعية إلى الإيمان .
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 109 .