سيد محمد طنطاوي
195
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف قال تبغونها عوجا وهو محال ؟ قلت : فيه معنيان : أحدهما : أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها اعوجاجا بقولكم إن شريعة موسى لا تنسخ ، وبتغييركم صفة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن وجهها وغير ذلك . والثاني : أنكم تتعبون أنفسكم في إخفاء الحق ابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم » « 1 » . وقوله : * ( مَنْ آمَنَ ) * مفعول به لتصدون . والضمير المنصوب في قوله : * ( تَبْغُونَها ) * يعود إلى سبيل اللَّه أي تبغون لها فحذفت اللام كما في قوله - تعالى - : وإِذا كالُوهُمْ أي كالوا لهم . وقوله : * ( عِوَجاً ) * مفعول به لتبغون . وبعضهم جعل الضمير المنصوب في * ( تَبْغُونَها ) * وهو الهاء هو المفعول . وجعل عوجا حال من سبيل اللَّه . أي تبغونها أن تكون معوجة وتريدونها في حال عوج واضطراب . وقوله : * ( وأَنْتُمْ شُهَداءُ ) * حال من فاعل * ( تَصُدُّونَ ) * أو تبغون . أي والحال أنكم تعلمون بأن سبيل الإسلام هي السبيل الحق علم من يعاين ويشاهد الشيء على حقيقته فجحودكم عن علم وكفركم ليس عن جهل ، ولقد كان المتوقع منكم يا من ترون الحق الذي جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في كتابكم ، أن تكونوا أول المساعين إلى الإيمان به ، ولكن الحسد والعناد حالا بينكم وبين الانتفاع بالنور الذي جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقوله : * ( ومَا اللَّه بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) * تهديد لهم ووعيد على ضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم ، لأنه - سبحانه - ليس غافلا عن أعمالهم ، بل هو سيجازيهم على هذه المسالك الخبيثة بالفشل والذلة في الدنيا ، وبالعذاب والهوان في الآخرة ولما كان صدهم المؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حياتهم ، ببيان أن اللَّه - تعالى - محيط بكل ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال وليس غافلا عنها . بخلاف الآية الأولى فقد كان كفرهم بطريق العلانية إذ ختمت ببيان أن اللَّه مشاهد لما يعملونه ولما يجاهرون به . وبعد أن بين - سبحانه - في هاتين الآيتين أن اليهود قد جمعوا الخستين ضلال أنفسهم ، ثم محاولتهم تضليل غيرهم ، تركهم مؤقتا في طغيانهم يعمهون ، ووجه نداء إلى المؤمنين يحذرهم فيه من دسائس اليهود وكيدهم ، وينهاهم عن الركون إليهم ، والاستماع إلى مكرهم فقال
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 393 .