سيد محمد طنطاوي
18
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند اللَّه فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك . ومما يشهد لصحة هذا الرأي : أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل ، وعن كونه معجزة للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في أغلب المواضع . وأنت ترى هذه الآيات كثيرا ما تتصدر صراحة باسم الإشارة الذي يعود إلى القرآن كما في قوله - تعالى - : ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيه . أو ضمنا كما في قوله - تعالى - المص . كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْه وأيضا فإن هذه السور التي افتتحت بالحروف المقطعة إذا ما تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات صحة الرسالة المحمدية عن طريق هذا الكتاب الذي جعله اللَّه - تعالى - معجزة لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء في المراد بالحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع إلى ما كتبه العلماء في هذا الموضوع « 1 » . ثم وصف - سبحانه - ذاته بما يليق به من جلال وكمال فقال : * ( اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) * . ولفظ الجلالة * ( اللَّه ) * يقول بعض العلماء : إن أصله إله ، دخلت عليه أداة التعريف « ال » وحذفت الهمزة فصارت الكلمة اللَّه . قال القرطبي : قوله * ( اللَّه ) * هذا الاسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها حتى قال بعضهم : إنه اسم اللَّه الأعظم ، ولم يتسم به غيره ، ولذلك لم يثن ولم يجمع ، فاللَّه اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية ، المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي ، لا إله إلا هو سبحانه - « 2 » . ولفظ « إله » قالوا : إنه من أله أي عبد ، فالإله على هذا المعنى هو المعبود وقيل هو أله أي تحير . . وذلك لأن العبد إذا تفكر في صفاته - تعالى - تحير فيها ، ولذا قيل : تفكروا في آلاء اللَّه ولا تتفكروا في اللَّه « 3 » . و * ( الْحَيُّ ) * أي : المتصف بالحياة التي لا بدء ولا فناء لها .
--> ( 1 ) راجع الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 3 ص 21 طبعة مكتبة المشهد الحسيني ( 2 ) تفسير القرطبي ج 1 ص 102 ( 3 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 21 .