سيد محمد طنطاوي

19

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

و * ( الْقَيُّومُ ) * الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم ، والمعطى لهم ما به قوام حياتهم ، وهو مبالغة في القيام وأصله قيووم - بوزن فيعول - من قام بالأمر إذا حفظه ودبره . والمعنى : اللَّه - تعالى - هو الإله الحق المتفرد بالألوهية التي لا يشاركه فيها سواه . وهو المعبود الحق وكل معبود سواه فهو باطل ، وهو ذو الحياة الكاملة . وهو الدائم القيام بتدبير شؤون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم . قال الآلوسي : ولفظ الجلالة * ( اللَّه ) * مبتدأ وما بعده خبر . والجملة مستأنفة ، أي : هو المستحق للعبودية لا غيره . و * ( الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) * خبر بعد خبر ، أو خبر لمبتدأ محذوف أي : هو الحي القيوم . . وأيا ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق المعبودية به - سبحانه - وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من حديث أبي أمامة مرفوعا أن اسم اللَّه الأعظم في ثلاث سور ، في سورة البقرة ، وآل عمران ، وطه . وقال أبو أمامة : فالتمستها فوجدت في البقرة * ( اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) * . وفي آل عمران * ( اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) * وفي طه وعَنَتِ الْوُجُوه لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ « 1 » . وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده المستحق للعبودية ، أتبع ذلك ببيان بعض مظاهر فضله ورحمته فقال : * ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه ) * والكتاب - كما يقول الراغب - في الأصل مصدر ، ثم سمى المكتوب فيه كتابا . والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه . والكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، وفي التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط « 2 » . والمراد بالكتاب المنزل : القرآن الكريم . وفي التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية أفراد الكتب المنزلة ، فكأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريح باسمي التوراة والإنجيل . وعبر بنزل - بصيغة التضعيف - للإشارة إلى أن نزول القرآن على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان منجما ولم يكن دفعة واحدة ومن المعروف أن القرآن قد نزل على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على حسب الوقائع والحوادث وغيرها في مدة تزيد على عشرين سنة .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 2 ص 74 . ( 2 ) مفردات القرآن ص 433 للراغب الأصفهاني بتصرف وتلخيص .