سيد محمد طنطاوي
17
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعن علي بن أبي طالب أنه قال : « إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي » وفي رواية أخرى للشعبي أنه قال : « سر اللَّه فلا تطلبوه » . ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأي أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثله كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها . وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس . فالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان يفهم المراد بها ، وكذلك بعض الصحابة المقربين ، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور . وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأي لا مجال لذكرها هنا . أما الرأي الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم . وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر اللَّه بعلمه . وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها : 1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح » . وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة « ص » وسورة « يس » وسورة « ق » . . إلخ . ولا يخلو هذا القول من ضعف لأنه لا يلزم من التسمية ببعضها أن تكون جميع الحروف المقطعة أسماء للسور التي بدئت بها ، ولأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، فلو كانت أسماء للسور لم تتكرر لمعان مختلفة لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه . 2 - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى . 3 - وقيل : إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء اللَّه - تعالى - وبعضها من صفاته ، فمثلا : * ( ألم ) * أصلها أنا اللَّه أعلم . 4 - وقيل : إنها اسم اللَّه الأعظم . إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من مقال ، والتي أوصلها السيوطي في كتابه « الإتقان » إلى أكثر من عشرين قولا . 5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه الذين تحداهم القرآن . فكأن اللَّه - تعالى - يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند اللَّه : هاكم القرآن ترونه