سيد محمد طنطاوي
161
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى على هذه القراءة : ما كان لبشر أن يؤتيه اللَّه ما ذكر ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ، أو يأمرهم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا ، وذلك كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي . وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم . وعلى هذه القراءة يكون توسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه ، للمسارعة إلى تحقيق الحق ، ولبيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه . وأما القراءة الثانية فقد قرأها الباقون برفع الراء في * ( يَأْمُرَكُمْ ) * فتكون الجملة مستأنفة ، والمعنى : ولا يأمركم هذا البشر الذي أعطاه اللَّه ما أعطاه من نعمة أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا . وخصص الملائكة والنبيين بالذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس ، فقد وقع في عبادة الملائكة « الصابئة » الذين كانوا يقيمون في بلاد الكلدان ، وتبعهم بعض المشركين من العرب . ووقع في عبادة بعض النبيين كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد وزعموه ابن اللَّه وكثير من اليهود عبدوا عزيزا وزعموه ابن اللَّه . والاستفهام في قوله * ( أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * للإنكار الذي بمعنى النفي . أي : أن الرسل الكرام لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر باللَّه بعد أن هداهم اللَّه - تعالى - عن طريق هؤلاء الرسل إلى أن يكونوا مسلمين . فالجملة الكريمة تأكيد بأبلغ وجه لنفى أن يأمر الرسل الناس بعبادة غير اللَّه ، وتنزيه لساحتهم عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر يخالف ما تلقوه عن اللَّه - تعالى - من إفراده بالعبادة والطاعة والخضوع . قال بعضهم : وإذا كان ما ذكر في الآيتين لا يصلح لنبي ولا لمرسل ، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى ، ولهذا قال الحسن البصري : لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته . ثم قال : وذلك أن القوم - يعنى أهل الكتاب - كان يعبد بعضهم بعضا كما قال - تعالى - اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّه . فالجهلة من الأحبار والرهبان يدخلون في هذا الذم ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين ، فإنهم إنما يأمرون بما أمر اللَّه به ، وينهون عما نهى اللَّه - تعالى - عنه ، ولذلك سعدوا وفازوا » « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير بتلخيص ج 1 ص 377 .