سيد محمد طنطاوي

162

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبعد أن نزه - سبحانه - الأنبياء عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر لم يأذن به اللَّه ، أتبع ذلك ببيان الميثاق الذي أخذه اللَّه - تعالى - عليهم ، فقال - سبحانه - : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 81 إلى 83 ] وإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِه ولَتَنْصُرُنَّه قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 82 ) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّه يَبْغُونَ ولَه أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وإِلَيْه يُرْجَعُونَ ( 83 ) قوله - تعالى - * ( وإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) * الظرف « إذ » منصوب بفعل مقدر تقديره اذكر ، والخطاب فيه للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أو لكل من يصلح للخطاب . والميثاق : هو العقد المؤكد بيمين . أي : اذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ اللَّه الميثاق من النبيين . وللمفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أشهرها قولان : أولهما : وهو رأى جمهور العلماء - أن المراد أن اللَّه - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين . وثانيهما : وهو رأى بعض العلماء - أن المراد أن الأنبياء هم الذين أخذوا الميثاق من غيرهم . والمعنى على رأى فريق من أصحاب القول الأول - منهم الحسن والسدي وسعيد بن جبير - : أن اللَّه - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يصدق بعضهم بعضا ، وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه فإن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه . فأخذ - سبحانه - الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد