سيد محمد طنطاوي

160

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالربانى : الإنسان الذي أخلص اللَّه - تعالى - في عبادته ، وراقبه في كل أقواله وأفعاله ، واتقاه حق التقوى ، وجمع بين العلم النافع والعمل به ، وقضى حياته في تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم . والمعنى : لا يصح لبشر آتاه اللَّه ما آتاه من النعم أن يقول للناس اعبدوني من دون اللَّه ، ولكن الذي يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم : كونوا * ( رَبَّانِيِّينَ ) * أي مقبلين على طاعة اللَّه - تعالى - وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص ، بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذي أنزله اللَّه لهداية الناس وبسبب كونكم دارسين له ، أي قارئين له بتمهل وتدبر . وقوله - تعالى - * ( ولكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) * استدراك قصد به إثبات ما ينبغي للرسل أن يقولوه . بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغي لهم أن ينطقوا به ، أي : لا ينبغي لبشر آتاه اللَّه نعما لا تحصى أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون اللَّه ، ولكن الذي ينبغي له أن يقوله لهم هو قوله : كونوا ربانيين أي مخلصين له - سبحانه - العبادة إخلاصا تاما . ففي الجملة الكريمة إضمار ، والتقدير : « ولكن يقول لهم كونوا ربانيين » فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه ، ونظيره قوله - تعالى - فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ أي فيقال لهم : أكفرتم ، والباء في قوله * ( بِما كُنْتُمْ ) * للسببية . وما مصدرية أي بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له . وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع « تعلمون » بإسكان العين وفتح اللام - من العلم أي بسبب كونكم عالمين بالكتاب ودارسين له . قال الرازي : دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا ، فمن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله ، وكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ، ولهذا قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « نعوذ باللَّه من علم لا ينفع وقلب لا يخشع » . وقوله - تعالى - * ( ولا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) * تأكيد لنفى أن يقول أحد من البشر الذين أتاهم اللَّه الكتاب والحكم والنبوة للناس اعبدوني من دون اللَّه ، وتنزيه لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير اللَّه . وقوله * ( ولا يَأْمُرَكُمْ ) * وردت فيه قراءتان مشهورتان . أما القراءة الأولى فبفتح الراء عطفا على * ( يَقُولَ ) * في قوله * ( ثُمَّ يَقُولَ ) * وتكون « لا » مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله * ( ما كانَ لِبَشَرٍ ) * ويكون في الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب .