سيد محمد طنطاوي

117

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ ) * تحريض لهم على الاستجابة لما يدعوهم إليه . قال الفخر الرازي « وإنما أعاد قوله - تعالى - * ( وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) * لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر ، فأعاد ذكر المعجزات ليكون كلامه ناجعا في قلوبهم ومؤثرا في طباعهم . ثم خوفهم فقال : * ( فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ ) * لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى اللَّه فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا اللَّه لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم عن ربي » « 1 » . ثم حكى القرآن أن عيسى - عليه السلام - قد قرر أن هذه المعجزات الباهرة لن تخرجه عن أن يكون عبدا اللَّه مخلوقا له ، وأن من الواجب على الناس أن يعبدوا اللَّه وحده ولا يشركوا به شيئا فقال : * ( إِنَّ اللَّه رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) * أي قال عيسى - عليه السلام - داعيا قومه إلى عبادة اللَّه - تعالى - هو الذي خلقني وخلقكم وهو الذي رباني ورباكم ، وما دام الأمر كذلك فأخلصوا له العبادة فإن عبادته - سبحانه - وطاعته هي الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا التباس . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بعض المعجزات التي أكرم اللَّه بها عيسى - عليه السلام - كما حكت لنا بعض التوجيهات القويمة ، والإرشادات الحكيمة التي نصح بها قومه لكي يسعدوا في دنياهم وآخرتهم . والآن ينساق الذهن إلى سؤال هو : ما ذا كان موقف بني إسرائيل منه بعد أن جاءهم بما جاءهم به من بينات وهدايات ؟ لقد حكى القرآن ان موقف أكثرهم منه كان موقف الكافر به الجاحد لرسالته فقال تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 52 إلى 57 ] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّه آمَنَّا بِاللَّه واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ واتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) إِذْ قالَ اللَّه يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيه تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 ) وأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ واللَّه لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 )

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 63 .