سيد محمد طنطاوي
114
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والأبرص : هو الذي يكون في جلده بياض مشوب بحمرة وهو مرض من الأمراض المنفرة التي عجز الأطباء عن شفائها . والمعنى : أن عيسى - عليه السّلام - قال لقومه : والمعجزات التي تدل على صدقي أن أشفى وأعيد الإبصار إلى من ولد أعمى ، وأعيد الشفاء إلى من أصيب بمرض البرص ، وأعيد الحياة إلى من مات . ولا أفعل كل ذلك بقدرتي وعلمي وإنما أفعله بإذن اللَّه وبإرادته وأمره . وخص إبراء الأكمه والأبرص بالذكر لأنهما مرضان عضالان لم يصل الطب إلى الآن إلى طريق للشفاء منهما فإذا أجرى اللَّه - تعالى - على يد عيسى الشفاء منهما كان ذلك دليلا على أن من وراء الأسباب والمسببات خالقا مختارا لا يعجزه شيء وعلى أن الأسباب ليست مؤثرة بذاتها في الإيجاد أو الإعدام وإنما المؤثر هو اللَّه - تعالى - وقوله * ( وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّه ) * فيه تدرج من الصعب إلى الأصعب ، لأن مما لا شك فيه أن إحياء الموتى خارق عظيم ، يدل دلال قاطعة على أن الأسباب العادية ليست هي المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر وأن الأشياء لم تخلق بالعلية - كما يقول الماديون - وإنما خلقت بالإرادة المختارة والقدرة المبدعة المنشئة المكونة ، وهي إرادة خالق الكون وقدرته سبحانه . وقيد ما يقوم به من إبراء وإحياء بأنه بإذن اللَّه : للتنبيه على أن ما يفعله من خوارق إنما هو بأمر اللَّه وتيسيره وإرادته . وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمة والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء ، وكان دعاؤه يا حي يا قيوم ، وذكروا من بين من أحياهم سام بن نوح « 1 » . قال ابن كثير : بعث اللَّه كل نبي بمعجزة تناسب أهل زمانه ، فكان الغالب على زمان موسى السحر وتعظيم السحرة ، فبعثه اللَّه بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحّار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام . وأما عيسى فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداواة الأكمه والأبرص ؟ وكذلك محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاويد الشعراء فأتاهم بكتاب من اللَّه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله ما استطاعوا أبدا ، وما ذاك إلا أن كلام الرب لا يشبه كلام الخلق » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 169 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 365 بتلخيص يسير .