سيد محمد طنطاوي

115

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأما المعجزة الخامسة فقد حكاها القرآن في قوله - تعالى - * ( وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) * . وقوله - تعالى - * ( وأُنَبِّئُكُمْ ) * من الإنباء وهو الإخبار بالخبر العظيم الشأن . وقوله * ( تَدَّخِرُونَ ) * من الادخار وهو إعداد الشيء لوقت الحاجة إليه . يقال : دخرته وادخرته ، إذ أعدته للعقبى . وأصله « تذتخرون » بالذال المعجمة - من اذتخر الشيء - بوزن افتعل - فأبدلت التاء دالا ثم أبدلت الذال دالا وأدغمت . والمعنى : أن عيسى - عليه السّلام - قد قال لقومه بني إسرائيل : وإن من معجزاتي التي تدل على صدقي فيما أبلغه عن ربي أنى أخبركم بالشيء الذي تأكلونه وبالشيء الذي تخبئونه في بيوتكم لوقت حاجتكم إليه . قال القرطبي : وذلك أنه لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا : أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد ، فأخبرهم فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا فذلك قوله * ( وأُنَبِّئُكُمْ ) * « 1 » . و « ما » في الموضعين موصولة ، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أي بما تأكلونه وتدخرونه . ولا شك أن إخبار عيسى - عليه السّلام - لقومه بالشيء الذي يأكلونه وبالشيء الذي يدخرونه يدل على صدقه ، لأن هذا الإخبار الغيبي بما لم يعاينه دليل على أن اللَّه - تعالى - قد أعطاه علم ما أخبر به . ثم ختم اللَّه - تعالى - هذه الآية بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * . أي إن في ذلك المذكور من المعجزات التي أجراها اللَّه - تعالى - على يد عيسى - عليه السلام - لدلالة واضحة وعلامة بينة تشهد بصدقه فيما يبلغه عن ربه ، إن كنتم يا بني إسرائيل ممن يصدق بآيات اللَّه ويذعن لها . فاسم الإشارة « ذلك » يعود إلى ما سبق ذكره من معجزات عيسى - عليه السّلام - وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيات وأذعنتم للحق الذي جئتكم به من عند اللَّه . وبعد أن حكى القرآن المعجزات الباهرة التي أيد اللَّه بها عيسى - عليه السّلام - عقب ذلك بالإشارة إلى طبيعة رسالته فقال - تعالى - * ( ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ ) * .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 95 .