سيد محمد طنطاوي
99
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم حكى القرآن أن اللَّه تعالى قد رد على زكريا بما يزيل عجبه ويمنع حيرته فقال تعالى ، * ( قالَ كَذلِكَ اللَّه يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) * . أي قال - سبحانه - : مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي رأيته من أن يكون لك غلام وأنت شيخ كبير وامرأتك عاقر مثل ذلك الفعل يفعل اللَّه ما يشاء أن يفعله ، لأنه - سبحانه - هو خالق الأسباب والمسببات ولا يعجزه شيء في هذا الكون ، وبقدرته أن يغير ما جرت به العادات بين الناس . فالجملة الكريمة بجانب تضمنها إقناع زكريا وإزالة عجبه ، تتضمن أيضا تقرير قضية عامة وهي أن اللَّه - تعالى - يفعل ما يشاء أن يفعله بدون تقيد بالأسباب والمسببات والعادات فهو الفعال لما يريد . ثم حكى القرآن أن زكريا - لشدة لهفته على تحقق البشارة - سأل ربه أن يجعل له علامة تكون دليلا على تحقيق الحمل عند زوجته فقال - تعالى : * ( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) * . أي قال زكريا مناجيا ربه : يا رب إني أسألك أن تجعل لي * ( آيَةً ) * أي : علامة تدلني على حصول الحمل عند زوجتي : لأبادر إلى القيام بشكر هذه النعمة شكرا جزيلا ولأقوم بحقها حق القيام . وقد أجابه - سبحانه - إلى طلبه فقال : * ( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) * . أي قال اللَّه - تعالى - لعبده زكريا : آيتك أي علامتك ألا تقدر على كلام الناس من غير آفة في لسانك لمدة ثلاثة أيام إلا * ( رَمْزاً ) * أي إلا عن طريق الإيحاء والإشارة . وأصل الرمز الحركة . يقال ارتمز أي تحرك ، ومنه قيل للبحر الراموز وفعله من باب نصر وضرب . ثم أطلق الرمز على الإيماء بالشفتين أو بالحاجبين وعلى الإشارة باليدين وهو المراد هنا . قال صاحب الكشاف : قال اللَّه - تعالى - لزكريا آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام : وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه . ولذلك قال : * ( واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ ) * يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة ، فإن قلت : لم حبس لسانه عن كلام الناس ؟ قلت : ليخلص المدة لذكر اللَّه لا يشغل لسانه بغيره ، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها الذي طلب الآية من أجله ، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر . وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه * ( إِلَّا رَمْزاً ) * أي : إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 361 .