سيد محمد طنطاوي
100
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعلى رأى صاحب الكشاف يكون احتباس لسان زكريا عن كلام الناس اضطراريا وليس عن اختيار منه . ويمكن أن يقال . إن المراد بقوله - تعالى - * ( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) * . . أن زكريا - عليه السّلام - عندما طلب آية يعرف بها أن زوجته قد حملت بهذا الغلام الذي بشره اللَّه به ، أخبره - سبحانه - أن العلامة على ذلك أن يوفق إلى خلوص نفسه من شواغل الدنيا حتى أنه ليجد نفسه متجها اتجاها كليا إلى ذكر اللَّه وتمجيده وتسبيحه ، دون أن يكون عنده أي دافع إلى كلام الناس أو مخالطتهم مع قدرته على ذلك ، وعلى هذا يكون انصراف زكريا - عليه السّلام - عن كلام الناس اختياريا وليس اضطراريا كما يرى صاحب الكشاف . ثم أمره اللَّه - تعالى - بالإكثار من ذكره وتسبيحه فقال : * ( واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ ) * . و * ( بِالْعَشِيِّ ) * جمع عشية وقيل : هو واحد وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ، وأما * ( الإِبْكارِ ) * فمصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار . . ومنه الباكورة لأول الثمرة . والمراد به هنا الوقت الذي يكون من طلوع الفجر إلى الضحى . أي عليك أن تكثر من ذكر اللَّه - تعالى - ومن تسبيحه في أول النهار وفي آخره وفي كل وقت لا سيما في تلك الأيام الثلاثة شكرا اللَّه - تعالى - على ما أعطاك من نعم جليلة لا تحصى ، فقد وهبك الذرية بعد أن بلغت من الكبر عتيا ، وجعل هذا المولود من أنبياء اللَّه الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته . وفي هذا الأمر الإلهى لزكريا حصن لكل عاقل على الإكثار من ذكر اللَّه من تسبيحه وتمجيده لأن ذكر اللَّه به تطمئن القلوب . وتسكن النفوس وتغسل الخطايا والذنوب ويكفى للدلالة على فضل الذكر أن اللَّه - تعالى - أمر به حتى في حالة الحرب فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصة زكريا - عليه السّلام - فيه الكثير من العبر والعظات لقوم يعقلون . وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على مظاهر قدرته في ولادة يحيى - عليه السّلام - حيث وهبه لوالديه بعد أن بلغا مبلغا كبيرا من العمر يستبعد معه في العادة الإنجاب . . بعد أن بين كل ذلك ساق قصة أخرى أدل على قدرة اللَّه ونفاذ إرادته من قصة ولادة يحيى ، وهذه القصة هي قصة ولادة عيسى - عليه السّلام - من غير أب . وقد مهد القرآن لولادة عيسى ببيان أن