الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
67
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
ففي البحار ( 1 ) ، عن علل الشرايع : عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : " ما من عبد إلا وعليه أربعون جنّة حتى يعمل أربعين كبيرة ، فإذا عمل أربعين كبيرة انكشف عنه الجنن ، فتقول الملائكة من الحفظة الذين معه : يا ربنا هذا عبدك قد انكشفت عنه الجنن ، فيوحي اللَّه عز وجل إليه أن استروا عبدي بأجنحتكم فتستره الملائكة بأجنحتها ، فما يدع شيئا من القبيح إلا فارقه حتى يتمدّح إلى الناس بفعله القبيح ، فتقول الملائكة : يا ربّ هذا عبدك ما يدع شيئا إلا ركبه ، وإنا لنستحيي مما يصنع ، فيوحي اللَّه إليهم أن أرفعوا أجنحتكم عنه ، فإذا - فعل ذلك - أخذ في بغضنا أهل البيت ، فعند ذلك يهتك اللَّه ستره في السماء ويستره في الأرض فتقول الملائكة : هذا عبدك قد بقي مهتوك الستر ، فيوحي اللَّه إليهم : لو كان لي فيه حاجة ما أمرتكم أن ترفعوا أجنحتكم عنه " . أقول : المستفاد من الحديث الشريف أنه تعالى يداري مع العبد العاصي كل المداراة ، والعبد بسوء اختياره وإصراره على ارتكاب الكبائر يجعل نفسه معرضا لأن يرفع اللَّه عنه الجنن الإلهية ، ثم إنه أيضا يصرّ في المعصية حتى يفتخر بها وهو معنى قوله حتى يتمدّح إلى الناس أي يجعل نفسه في معرض أن يمدحه الناس من أهل المعاصي ويفتخر بهذا ، فحينئذ يرفع اللَّه عنه أجنحة الملائكة التي كانت تستره بها ، ثمّ بعد هتك هذا الستر يأخذ في بغض أهل البيت عليهم السّلام . ثم إن قوله عليه السّلام : " فعند ذلك يهتك اللَّه ستره في السماء ويستره في الأرض ، " يدل على أنه تعالى لا يهتك ستر هذا العبد العاصي الكذائي في الدنيا ، بل ما كان في الدنيا فهو مستور عنه ، فإنه تعالى رزقه مبسوط لمن عصاه ، وحلمه معترض لمن ناواه ، عادته الإحسان إلى المسيئين وسبيله الإبقاء على المعتدين ، فسبحانه من رؤوف ما أرحمه ومن ملك ما أعظمه وأجلَّه .
--> ( 1 ) البحار ج 73 ص 355 . .