الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
512
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
محض من جميع الجهات ، فلا عمل له إلا بعطائه من القوة والعقل والفراغ والتوفيق ، وهذه كلها منه تعالى فأي شيء من العبد لم يكن منه تعالى قد أتى به إليه تعالى حتى يستحق به ثوابا ؟ فالفيوضات التي تكون لنا ليست ثابتة لنا باستحقاق بل بالتفضل منه تعالى فله تعالى أن يسلبها ، وهذا الإمكان الذي له تعالى أوجب خوفا للعباد ، ومن كان أعرف بعظمته وأنه الغني المعطي بلا استحقاق بل بالتفضل والابتداء يكون خوفه أكثر . ومما يدل عليه بالصراحة ما رواه الشيخ في المصباح ص 608 في خطبة يوم الأضحى عن ابن جندب ، عن أبيه عن أمير المؤمنين عليه السّلام وفيها : " تعبّدو اللَّه عباد اللَّه أيام الحياة ، فو اللَّه لو حننتم حنين الواله المعجال ودعوتم دعاء الحمام ، وجاءرتم جؤار مبتلى الرهبان ، وخرجتم إلى اللَّه من الأموال والأولاد التماس القربة إليه في ارتفاع درجة وغفران سيئة أحصتها كتبه وحفظتها رسله ، لكان قليلا فيما ترجون من ثوابه ، وتخشون من عقابه ، وتاللَّه لو انماثت قلوبكم انمياثا ، وسالت من رهبة اللَّه عيونكم دما ، ثم عمّرتم عمر الدنيا على أفضل اجتهاد وعمل ما جزت أعمالكم حق نعم اللَّه عليكم ، ولا استحققتم الجنة بسوى رحمة اللَّه ومنّه عليكم " ، الخطبة . ومثله ما ذكر في بحر المعارف ما حاصله أنه عليه السّلام قال : " لو أدخل اللَّه تعالى جميع من في السماوات والأرض النار ، لعدم معرفتهم به تعالى لكان له ذلك " راجع الحديث فإنه يقصم الظهر ويجري الدمع دما فلا منجاة إلا به تعالى وبلطفه . فالمستفاد من هذه الأدعية أن هؤلاء تكون عبادتهم خالصة للَّه تعالى ، ويرون النعم والإيمان من فضله ، وهذا لا ينافي عدله تعالى ولا كونه أرحم الراحمين ، بل هذا مما اقتضاه استقلاله بالملك والأمر واستيلاؤه عليه ، وإن ما يعطيه تفضل لا بنحو الاستحقاق ، ولذا كان خوفهم خوفا حقيقيا ، وأكثر من خوف غيرهم ، بل ربما كادوا يموتون من شدة الفزع والبكاء . أقول : وربما يقال : إن صدور هذه الكلمات بما لها من المعنى والحالات منهم عليهم السّلام