الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
511
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الخوف من مكره تعالى ، وهذا معنى مكره تعالى لا المكر بمعنى الخديعة تعالى اللَّه عنه علوا كبيرا . وكيف كان إذا تتبعت أخبارهم وأدعيتهم عليهم السّلام ظهر لك أن خوفهم خوف حقيقي منه تعالى ، لأنه تعالى لم يكن مسلوب الاختيار في آن في أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يحكم عليه ، وهذا لا ينافي أنه تعالى لا يخلف ميعاده حيث وعدهم النجاة وإنجاز ما وعدهم ، وإلى هذا الخوف يشير ما في الصحيفة السجادية ( على منشيها آلاف الثناء والتحية ) عند استقالته من الذنوب : " يا الهي لو بكيت إليك حتى تسقط أشفار عيني ، وانتحبت حتى ينقطع صوتي ، وقمت لك حتى تنتشر قدماي ، وركعت لك حتى ينخلع صلبي ، وسجدت لك حتى تتفقأ حدقتاي ، وأكلت تراب الأرض طول عمري ، وشربت ماء الرماد آخر دهري ، وذكرتك في خلال ذلك حتى يكل لساني ، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك ، ما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي ، وإن كنت تغفر لي حين أستوجب مغفرتك ، وتعفو عني حين أستحق عفوك ، فإن ذلك غير واجب لي باستحقاق ، ولا أنا أهل له باستيجاب ، إذ كان جزائي منك في أول ما عصيتك النار " ، الدعاء . وفي المحكي عن السجاد عليه السّلام دعاء عقيب صلاة الليل قبل الشفع وهو : " إلهي وعزّتك وجلالك لو أنني منذ بدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين بحمد الخلائق وشكرهم أجمعين " ، الدعاء . وفيه أيضا : " إلهي لو كربت معادن حديد الدنيا بأنيابي ، وحرثت أرضها بأشفار عيني ، وبكيت من خشيتك مثل بحور السماوات والأرض دما صديدا لكان ذلك قليلا في كثير ما يجب من حقك علي " . والحاصل : أنه يستفاد من كلامهم عليهم السّلام أنه لا يستحق أحد منه تعالى ثوابا عن استيجاب واستحقاق لما عمل من عمل ، فإن العمل وما به العمل كلَّه من عطاياه ، بل كل عطاياه كانت تفضلا وابتداء منه تعالى علينا ، والسر فيه هو أن العبد فقر