الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
372
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
بالغشاوات ، وكون جرم لسانه مشحونا من المرّة الصفراء . . . فيعدّ المطعم الشهي والمشرب الهنّي مرّا ، أو كمن بحضرته المنكح البهي وهو ينظر إليه في هواء مغيّم مغبّر عن عين مأوفه ، وعن قلب متفرّق بخواطر متشتتة ، وشواغل ضرورية ملكت باله ، ولا تمكَّنه من اللبث عنده ، وأما إذا صفا ذهنه ولطف حسه وصحّ تمييزه ، وطهر قلبه عن الآفات ، وبصيرته عن الغشاوات ، وطهّرهما عن الخواطر المتشتتة والشواغل الضرورية ، وعلم باليقين والوجدان القلبي أن حقيقتهم عليهم السّلام قائمة به تعالى ، وأنه تعالى تجلَّى بهم عليهم السّلام وأنهم بما هم هم مظاهر جماله وجلاله ، وأنهم عليهم السّلام فانون عن أنفسهم وباقون بربهم ، وأنهم عليهم السّلام مبتهجون بابتهاجه تعالى بذاته ، فسرورهم عليهم السّلام من سروره تعالى بل عين سروره تعالى . كيف لا ، وهم عليهم السّلام شأن من شؤونه ، فآثار الذات المتعالية والحقيقة الأحدية ظاهرة فيهم ، وأنهم ليسوا إلا تجلياته وظهوره حيث إنه تعالى وجود صرف . . . كل الوجودات منه وبه وإليه واحد بالوحدة الحقّة أي لا ثاني له في حقيقة الوجود ، وما سواه فهو مجازاته ، وهو أصل كل ظهور ، ونور كل نور ، ومعنى كل لبوب وقشور . . . ثابت بلا تغيّر ودثور إذ التغيّر والدثور إنما هما في الظلمات والديجور من الماهيات والأجسام . والحاصل : أنه يعلم أنه ليس عند نوره الأبهر الأقهر ظلمة بل ولا نور ، إذ إن الأنوار واردة من عنده تعالى على قلب من يعرفه به ، وهي أي الأنوار عكوس من وجهه تعالى تجلَّت بها مرآة قلبه لعنوان فان في المعنون . وكيف كان فلو عرفهم عليهم السّلام كذلك وأنهم محال جماله وجلاله ، وأن ذكرهم ذكره تعالى وأن اسمهم اسمه ، وأن ما يفهم من أسمائهم وذكرهم إنما هي تجلَّياته تعالى بهم عليهم السّلام ، لاهتزّ اهتزازا لا يوصف وابتهج ابتهاجا لا يكيف ، حيث استشعر أن لوجوده تعالى معيّة قيومية مع حقيقتهم عليهم السّلام بل إذ استغرق في حقيقتهم التي هي مظهر لجماله تعالى وصار فانيا فيهم عليهم السّلام يرى حقيقته قائمة بهم عليهم السّلام وأنها كالقطرة