الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

351

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الذكر لا يحصل إلا أولا للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السّلام ثم الأولياء كل على حسب قربه له تعالى ، وأما المنغمرون في الدنيا فليس لهم هذا التمكن كما لا يخفى . إذا علمت ما ذكرناه من الذكر وأقسامه وحقيقته وآثاره وأنه أهم الأمور للعبد ، فاعلم أن قوله عليه السّلام : " ذكركم في الذاكرين ، " قد يقال : إن معناه أنه إن ذكرتم مع ذكر غيركم ، فذكركم ممتاز له حلاوة وطراوة وأثر في تنوير القلب كما يومئ إليه قوله عليه السّلام " فما أحلى أسماءكم " . وكيف كان ، فذكركم له سموّ وعلوّ ورفعة وقدر ومنزلة بحيث لا نسبة بينها وبين غيرها من الأسماء . هذا إذا كان الذكر مصدرا مضافا إلى مفعوله أي مذكوريتكم في المذكورين في لسان الذاكرين له مزيّة . وأما إن كان مضافا إلى فاعله أي ذكركم له تعالى فيما بين ذكر الناس للَّه تعالى له مرتبة وشرافة ، كيف وأنتم في منتهى مقام القرب والمعرفة به تعالى ، فكيف يقدر أحد أن يذكره كما أنتم تذكرونه فلا محالة لذكركم مزيّة ؟ أو المراد من قوله : " في الذاكرين " الظرفية أي أن ذكركم موجود في ذكر الذاكرين ، أو أنتم - بلحاظ كونكم ذاكرين - موجودون في الذاكرين . أما الأول : فلأن حقيقة الذكر ذكركم لمكان معرفتكم ، فلا محالة لا يذكره أحد بفضيلة إلا وهو داخل في ذكركم ، لعلوّ ذكركم وشموله ، فكأنه كالكلي وغيره كجزئياته . وأما الثاني : فلأنكم سادات الذاكرين وأشرفهم ، فلا محالة يكون الذاكرون بذكرهم فيما دون ذاكريتكم ، فكأنّهم رشحة منكم ، وقطرة من بحاركم ، فذاكريّتهم داخلة في ذاكريّتكم دخول الأدنى في الأشرف . ثم إن الوجه في كون ذكرهم ممتازا بالمزية العالية ما تقدم من أن الذكر الحقيقي الذي هو الفناء في المذكور ، وحضور المذكور عند النفس بنحو تقدم إنما يتحقق