الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
169
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
سمعته يقول : " إن اللَّه عز وجل لا يوصف ، وكيف يوصف وقال في كتابه : ما قدروا اللَّه حقّ قدره 6 : 91 ( 1 ) فلا يوصف إلا كان أعظم من ذلك ، وإنّ النبي صلَّى اللَّه عليه وآله لا يوصف وكيف يوصف عبد احتجب اللَّه عز وجل بسبع ، وجعل طاعته في الأرض كطاعته في السماء فقال : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا 59 : 7 ( 2 ) ومن أطاع هذا فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد عصاني وفوّض إليه وإنا لا نوصف ، وكيف يوصف قوم رفع اللَّه عنهم الرجس وهو الشكّ ؟ والمؤمن لا يوصف ، وإنّ المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه فلا يزال اللَّه ينظر إليهما والذنوب تتحاتّ عن وجوههما كما يتحاتّ الورق عن الشجر " . وفي بعض خطب أمير المؤمنين عليه السّلام : " فتبارك اللَّه الذي لا يبلغه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن " . وفي توحيد الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة الوسيلة : " الحمد للَّه الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول عن أن تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل " . أقول : والسرّ في ذلك أنه تعالى لو عرف ، فلا بد وأن يكون بعد تحديده ، لأن المعرفة بحقيقة الشيء وكنهه هي تبيين الشيء وتمييزه عن غيره بحيث لا يشتبه بغيره ، وهي لا يمكن إلا بإحاطة العارف بتمام مشخصات المعروف ومميزاته ، وإذا كان كذلك فيكون المعروف لا محالة محدودا للعارف ، وإذا كان محدودا كان معدودا ، وإذا صار معدودا فيبطل أزليّته تبارك وتعالى ، لأنه حينئذ يكون الذي حدّه أولى بالألوهيّة منه وأقدم عليه . وبعبارة أخرى : أنه سبحانه لا يعرف بالكنه ، لأنّ الشيء لا يدرك إلا ما هو من جنسه وفي رتبته وحينئذ يحيط به ، فإذا أحاط به كان أعلى منه وأكبر .
--> ( 1 ) الحجّ : 74 . . ( 2 ) الحشر : 7 . .