الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

129

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وأما العارف : فقد تقدم آنفا أن كمال الإيمان هو أن ينتهي الإيمان بصاحبه إلى حدّ العين فيسمى صاحبه عارفا ، ونهاية العرفان مقام حق اليقين والفناء المحض ، فالعارف من أشهده اللَّه تعالى ذاته وصفاته وأفعاله ، وأما العالم إذا جعل مقابلا للعارف فهو من اطَّلعه اللَّه على ذلك لا عن شهود ، فهو في مقام علم اليقين ، والعارف في مقام عين اليقين أو حق اليقين ، ولهذا يقال : المعرفة الإدراك الجزئي أو البسيط ، لأن متعلق الشهود جزئي حقيقي وبسيط ، والعلم بالحدود والرسوم مركبة وتصديقات كذلك ، وكلها عناوين كلية وهي غير المعرفة كما لا يخفى . وتوضيح كلامهم هذا أي قولهم : إنها الإدراك المسبوق بالعدم . . . إلخ هو أنّ العارف قد شهده تعالى في معهد ألست بربكم 7 : 172 ثم تخلل الذهول عنه ونقض ميثاقه بردّه إلى أسفل سافلين ، ثم شملته العناية على وفق السابقة الأزلية ، وأشهده اللَّه تعالى ذاته وصفاته وأفعاله بتذكَّر العهد الأول ، وإن مقتضى فطرته الأولية النور والوصل ، وخاصية فطرته الثانية الظلمة والفصل ، فيقصد النور الفطري ويتوجّه إلى المحبوب الأول بعد الهجران ، ويرفض الظلمة ويقطع عنها بتذكَّر عهد الأزل بعد النسيان فتدبّر جيدا ، ثمّ إن السلوك الموصل إلى المعرفة إنما هو بعد تطهير القلب بالتخلية عن الصفات الرذيلة والتحلَّي بالصفات الحميدة . وحاصله أن الخابثات الباطنية عشرة : منها خابثات ثمانية من حيث العمل واثنتان من حيث العلم ، أما الثمانية التي من حيث العمل : فاثنتان منها طرفا الإفراط والتفريط ، في العفّة ، وهما الشره والخمود . واثنتان طرفا الإفراط والتفريط ، في الشجاعة ، وهما التهوّر والجبن . واثنتان طرفا الإفراط والتفريط ، في السخاوة ، وهما التبذير والتقتير . واثنتان طرفا الإفراط والتفريط ، في الحكمة ، وهما الجربزه والبلاهة . وهذه الحكمة تسمى حكمة عملية ، وهي غير الحكمة العملية التي هي قسيم الحكمة النظرية فضلا عن النظرية ، وبيانه على ما قاله بعض الأعاظم : إنّ بعضهم