الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
130
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
اشتبه فظنّ أنّ الحكمة العملية المذكورة هاهنا التي طرفاها الجربزة والبلاهة هي بعينها ما هو قسيم الحكمة النظرية حيث يقال : إنّ الحكمة إما نظرية وإما عمليّة ، وذلك الظنّ فاسد للفرق بينهما ، فإن هذه الحكمة العملية هاهنا خلق نفساني أي ملكة وسجيّة راسخة في النفس الحاصلة من تكرر الأفاعيل ، التي تصدر منها الأفعال المتوسطة بين الجربزة والغباوة ( البلاهة ) بسهولة ، وهي حالة قائمة بالنفس تسمى بالحكمة فهي نظير الذكاوة والجودة الفكرية . وأما إذا قالوا : الحكمة منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي ، لم يريدوا به الخلق بالضمّ ، لأن ذلك أي الخلق ليس جزءا من الفلسفة كما لا يخفى ، فإن الخلق بالكلية يبحث عنها في علم الأخلاق لا الفلسفة ، بل المراد منه ما هي إحدى الفلسفتين ، أي أرادوا بها معرفة الإنسان بالملكات الخلقية أنها كم هي وما هي وما الفاضل منها وما الردي منها ، ومعرفة كيفية تحصيلها واكتسابها للنفس وإزالتها وإخراجها عن النفس ومعرفة السياسات المدنية والمنزليّة ، وبالجملة معرفة الأمور التي لنا أي للفلسفي مدخلية في إدخالها في الوجود وإخراجها عن الوجود بوجه ، وهذه المعرفة ليست غريزية وبنحو الملكة والسجيّة بحيث تكون كالطبيعة الثانية ، بل هي عمليّة حاصلة للنفس من ممارسة علميّة ، فمتى حصلنا كانت حاصلة لنا من حيث هي معرفة ، وإن لم نفعل فعلا ولم نتخلق بخلق . والحاصل أنها قوة حاصلة من اكتساب علمي نتيجتها معرفة السياسات ، ولا ربط لها بالأعمال ، ولذا يمكن حصولها لأحد مع عدم حصول تلك الحكمة العملية المتوسطة بين الجربزة والبلاهة . وبعبارة أخرى : الحكمة العملية قد يراد بها نفس الخلق كالحكمة العمليّة هاهنا ، وقد يراد منها العلم بالخلق ، وقد يراد بها الأفعال الصادرة عن الخلق بالضمّ . فالحكمة العملية التي جعلت قسيمة للحكمة النظرية هي العلم بالخلق مطلقا لا نفسه ، التي تصدر الأفعال منه بسهولة ، والعلم بما يصدر منه وإفراطه أيضا