السيد حيدر الآملي
92
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
بأركانها ، وكلّ ما يكون موافقا لعقلهم ، يكون موافقا لعقل جميع العقلاء ، غاية ما في الباب يكون خلاف عقلك وعقل مثلك ، فلا يلزم من هذا أنّه ليس بمعقول ، ولا موافقا للعقل في نفس الأمر ، وبسبب أن أكثر أسرارها وأحكامها خارجة عن طور عقل الخلق ، خصوصا أهل الظاهر ، منع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله السؤال عن كيفيّته وكميّته ، مثل السؤال : أنّ الظهر مثلا لم كانت أربعة ، والمغرب ثلاثا ، والصبح ركعتان وكذلك باقي الأركان الشرعيّة ومثال عجز العقل عن إدراك أسرار الشرع وأحكامه كعجزه عن إدراك سرّ ملك الموت فإنّ العقل ما له قوّة أن يدرك أنّ هناك ملك واحد له قوّة أن يقبض في ساعة واحدة نفس مائة ألف إنسان أو حيوان مع بعد المسافة من المشرق إلى المغرب ، وكذلك عن سرّ جبرئيل عليه السّلام ، فإنّه لا يعرف ولا يدرك أنّ ملك واحد ( ملكا واحدا ) كيف ينزل في آن واحد من السابعة ، على رأى ، ومن العرش على رأى إلى الأرض ، ويوحي إلى نبيّ من الأنبياء ، ويرجع في ذلك الآن أو غيره من الآنات ، وعلى هذا التقدير ليس للمكلَّف العاقل أصلح من التسليم للأوامر الإلهيّة والأحكام الشرعيّة ، والتصديق بها مع عدم السؤال عن ماهيّتها وحقيقتها ، لأنّه ليس في الشرع شيء خلاف العقل أصلا ، ولا في العقل الصحيح خلاف الشرع شيء أيضا ، وعند التحقيق ليس بناء التكاليف الشرعيّة والقوانين الإلهيّة إلَّا على العقل والعاقل ، وكذلك ظهور الشرع وإجراء أحكامه ، فإنّ الكلّ موافق للعقل ، مطابق لنظر العاقل إذا كان صحيحا ، وبل مدار الوجود كلَّه ليس إلَّا على العقل والعاقل ، وبه ابتدأ الوجود عند الإيجاد ، وبه يختم عند الإعدام ، وفيه قيل : « سبحان من ابتدأ بالعقل وانختم بالعاقل » .