السيد حيدر الآملي

447

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

فجعل منازل النار ثمانية وعشرين منزلا ، وجهنم كلَّها مائة درك من أعلاها إلى أسفلها ، نظائر درج الجنّة فيها السعداء ، وفي كلّ درك من هذه الدركات ثمانية وعشرين منزلا ، فإذا ضربت ثمانية وعشرين في مائة كان الخارج من ذلك ألفي وثمان مائة منزل ، فهي الثمانية والعشرون مائة ، فما برحت الثمانية والعشرون تصحبنا ، وهذه منازل النار . فلكلّ طائفة من الأربع ، سبع مائة نوع من العذاب ، وهم أربع طوائف فالمجموع ثمان وعشرون مائة نوع من العذاب ، كما لأهل الجنّة سواء من الثواب يبين ذلك في صدقاتهم : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] . فالمجموع سبع مائة ، وهم أربع طوائف : رسل ، وأنبياء ، وأولياء ، ومؤمنون ، فلكلّ متصدّق من هؤلاء الأربعة سبع مائة ضعف من النعيم في عملهم . فانظر ما أعجب القرآن في بيانه الشافي ، وموازنته في خلفه في الدارين : الجنّة والنار ، لإقامة العدل على السواء في باب جزاء النعيم وجزاء العذاب ، فبهذا القدر يقع الاشتراك بين أهل الجنّة وأهل النّار للتساوي في عدد الدّرج والدّرك ، ويقع الامتياز بأمر آخر ، وذلك أنّ النار امتازت عن الجنّة بأنّه ليس في النار دركات اختصاص إلهي ، ولا عذاب اختصاصيّ إلهيّ من اللَّه ، فإنّ اللَّه ما عرّفنا قطَّ أنّه اختصّ بنقمته من يشاء ، كما أخبرنا أنّه يختصّ برحمته من يشاء وبفضله ، فالجنّة في نعيمها مخالف لميزان عذاب أهل النار ، فأهل النار معذّبون بأعمالهم لا غير ، وأهل الجنّة ينعّمون بأعمالهم في جنات الأعمال وبغير أعمالهم في جنات الإختصاص .