السيد حيدر الآملي
448
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
( جنات أهل السعادة ) فلأهل السعادة ثلاث جنات : جنّة أعمال ، وجنّة اختصاص وجنّة ميراث ، وذلك أنّه ما من شخص من الجنّ والإنس ، إلَّا وله في الجنّة موضع ، وفي النار موضع ، وذلك لإمكانه الأصلي ، فإنّه قبل كونه يمكن أن يكون له البقاء في العدم ، أو يوجد ، فمن هذه الحقيقة له قبول النعيم وقبول العذاب ، فالجنّة تطلب الجميع والجميع يطلبها ، والنار تطلب الجميع والجميع يطلبها ، فإنّ اللَّه يقول : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النحل : 9 ] . أي أنتم قابلون لذلك ، ولكن حقّت الكلمة ، وسبق العلم ، ونفذت المشيئة ، فلا رادّ لأمره ، ولا معقب لحكمه . فينزل أهل الجنّة في الجنّة على أعمالهم ، ولهم جنات الميراث وهي الَّتي كانت لأهل النار لو دخلوا الجنّة ، ولهم جنات الإختصاص ، يقول اللَّه تعالى : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا [ مريم : 63 ] . فهذه الجنّة الَّتي حصلت لهم بطريق الورث من أهل النار الَّذين هم أهلها ، إذ لم يكن في علم اللَّه أن يدخلوها ، ولم يقل في أهل النار أنهم يرثون من النار أماكن أهل الجنّة لو دخلوا النار ، وهذا من سبق الرحمة بعموم فضله سبحانه ، فما نزل من نزل في النار من أهلها إلَّا بأعمالهم ، ولهذا يبقى فيها أماكن خالية ، وهي الأماكن الَّتي لو دخلها أهل الجنّة عمروها فيخلق اللَّه خلقا يعمرونها على مزاج لو دخلوا به الجنّة تعذّبوا