السيد حيدر الآملي

238

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ما أعطيت وجودك إلَّا على قدر قابليّتك واستعدادك ، وقابليّتك واستعدادك من اقتضاء ذاتك وماهيّتك لا منّي ، لأنّي فاعل وأنت قابل ، وقابليّة القابل لا يكون من الفاعل ، بل وجوده مطابقا لماهيّته وقابليته ، فأنت حينئذ تعرض على قابليّتك واستعدادك لا عليّ ، لأنّ الفاعل ليس له تصرّف في القابل إلَّا على قدر قابليّته وإعطائه الوجود على ما هو عليه من حيث القابليّة . وإن قلت : بالعلم وإنّي كنت عالما بك فالعلم ليس له تصرّف في المعلوم حتّى يرد هذا والمطابقة شرط بين العلم والمعلوم ، لأنّ العلم تابع للمعلوم ، فالتابع لا يكون عالما بالمتبوع إلَّا على الوجه الَّذي هو عليه من معلوميّته ، فحينئذ ما أعطيت وجودك إلَّا على الوجه الَّذي كنت عالما بك وبماهيّتك على مقتضى قابليّتك ، وأنا حكيم عادل عالم كامل لا يصدر منّي شيء إلَّا على الوجه الَّذي ينبغي وقولي : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] . إشارة إلى هذا ، ومرادي إنّي عالم ، حكيم ولا يسأل عن فعل العالم الحكيم ، ولكن هم يسألون من جهلهم بحقائق الأشياء وقدرتهم على وضع كلّ شيء موضعه ، وأنت لو كنت مثلي عالما بحقائق الأشياء كلَّها قبلها وبعدها ، ما كنت ممّا يسأل عن فعله ، وأنا العالم الحكيم الكامل فلا ينبغي أن يسأل عن فعلي أصلا ، لأنّي ما أفعل شيئا إلَّا بمقتضى علمي وحكمتي وعلى الوجه الَّذي ينبغي ، ومن هذا قلت : لا يَعْزُبُ عَنْه ُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ [ سبأ : 3 ] . وهو قولي :