السيد حيدر الآملي
428
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
كناية عن هذا المقام لان وجه الشيء ذاته ووجوده ، وسواده عبارة عن فنائه وزواله لأنّ فناء وعدم يسمّى ظلمة وسوادا ، وكلّ وجود وبقاء يسمّى نورا وضياء ، فكمال الفقر لا يكون إلَّا في إفناء السّالك والفقير نفسه ووجوده في الدارين أي دار الدّنيا ودار الآخرة أو ظاهر العالم وباطنه ، أو عالم الغيب والشهادة . وإن تحققت عرفت أنّ النبيّ ( ص ) بمثل هذا الفقر افتخر على ساير الأنبياء والمرسلين لا الفقر الصوري الَّذي يمكن هناك أفقر منه من حيث الصّورة وبل كان واقعا لأنّ في مكّة شرّفها اللَّه ، في ذلك الوقت كانوا أفقر منه أشخاصا كثيرة ، وكلام ابن الفارض في القصيدة : وجئت بوجه أبيض غير مسقط لجاهك في الداريك خاطب صفوتي ( 225 ) كناية عن هذا الأمر وتقديره أي وجئتني حال كونك غير مسقط لجاهك في دنياك وعقباك وحال خطبتك عروس حبّي وصلي بما ظننت صداقها ووسيلة عناقها من بياض وجهك في الدنيا والعقبى لاستغنائك بزخارف العلوم والأحوال والأخلاق والأعمال التابع لوجودك الَّذي هو أصل الحجاب والمنع عن مطلوبك ليس الأمر كما زعمت وظننت ، لأنّك لا تصل إلى جناب عزّتي إلَّا بتذلَّلك وخمولك وإسقاط قبولك والفناء عن وجودك ، وعقيب هذا جاء البيت المتقدّم : فلو كنت بي من نقطة الباء خفضة رفعت إلى ما لم تنله بحيلة
--> ( 225 ) قوله : وجئت بوجه أبيض ( شعر ) . قائله ابن الفارض ، راجع ديوانه ص 72 ، ومشارق الدراري ص 144 .